البخر وعلاجه

في مؤلفات الطب العربي

 

د. عبد الناصر كعدان*

Abdul Nasser Kaadan, MD, PhD

د. حسام سامي قلعه جي**

Hossam Kalaji

ملخص البحث

    أرسى الإسلام  قواعد النظافة والاهتمام بالصحة، فكان النواة والنور الذي استنار به كل العلماء العرب والمسلمين. وقد اعتنى هؤلاء العلماء بالصحة عموما وبالصحة الفموية خصوصا، حيث كان من الطبيعي أن تسترعي الأمراض الفموية انتباه وعناية الأطباء العرب القدامى، فوضعوا لها التشخيص التفريقي اللازم بحسب الأعراض السريرية المشاهدة، كما وضعوا لها الأدوية والعلاجات. ويعتبر البخر (رائحة الفم المنتنة) أحد المواضيع التي استرعت انتباه الأطباء العرب المسلمون، فتحدثوا عن أسبابه وطرق علاجه.

     هدف هذا البحث هو التعرض بالذكر لأهم ما أورده الأطباء العرب المسلمون في مجال البخر علاجه.

 

مقدمة :

                    لقد أرست تعاليم الإسلام قواعد النظافة والاهتمام بالصحة، فكان النواة والنور الذي استنار به كل العلماء العرب والمسلمين. ولما كانت أول قواعده التي وضعت هي الطهارة والوضوء المدخل لما يلي من الأركان، فلهذا اعتنى الأجداد بالصحة العامة والصحة الفموية بالخاصة، فكان من الطبيعي أن تسترعي الأمراض الفموية انتباه وعناية الأطباء العرب القدامى، فوضعوا لها التشخيص التفريقي اللازم بحسب الأعراض السريرية المشاهدة، كما وضعوا لها الأدوية والمضامض واتبعوا وسائل ناجعة لشفائها مثل الكي الحراري وإزالة الترسبات القلحية بالمجارد وتثبيت الجبائر السلكية الذهبية. ولعل من أشهر من وضع له الجبائر السلكية الذهبية في صدر الإسلام الخليفة الراشدي (ذو النورين) عثمان بن عفان رضى الله عنه، كما كانوا يطبقون المبدأ القائل " درهم وقاية خير من قنطار علاج "، وهذا الأمر ينطبق على أمراض الفم بقدر ما ينطبق على سواها من الأمراض، فأجاد الأجداد في النصح والإرشاد هادفين حماية الفم والأسنان واللثة من الأمراض التي قد تتعرض لها في حال الإهمال وعدم المراعاة.

          والبخر من المواضيع التي أخذت حيزاً من الدراسة والتمحيص وذلك لكثرة ما قيل فيه وما شكّل من اضطرابات اجتماعية، وفي بحثنا هذا سنتناول الموضوع بتسلسل رأيناه الأفضل، لتشعب ما قيل فيه. فأولاً سنلقى الضوء على معناه وماذا يقصد به، ثم نطرح ما سببه من مشكلات اجتماعية وبعدها نتعمق أكثر بالأسباب المؤدية للبخر وطرق الوقاية منه وأخيراً معالجته، متناولين كل فقرة ماضيها وحاضرها، لعلنا نصل إلى دراسة قيمة تدلنا على مدى رقي الثقافة الطبية عند العلماء العرب، وتجعلنا ننفض غبار السنين عن قواعدنا وأساسنا ونعود فنرفع بنيانه من جديد ليصبح المنارة للحضارة الإنسانية كما كان وقتئذ.

تعريف :

          البَخَرُ: هو الرائحة المتغيرة من الفم، وقال أبو حنيفة "البخر" النتن يكون في الفم وغيره، بَخِرَ، بَخَراً، وهو أبخر وهي بخراء [1].

          ويذكر الزبيدي في معجمه أن البخر النتن في الفم وغيره، ويقول أنه قال شيخنا والمعروف في البخر التقيد بالفم دون غيره، كما جزم به الجوهري والزمخشري والقيومي[2].

 بينما يعرفه داود الأنطاكي فيقول: " إن بخر الفم هو أحد أشكال البخر، ويعرفه قائلاً " إنه تغيير رائحة البدن بسبب تعفن الخلط "[3].

          كخلاصة لما سبق فبَخَرُ الفم هو تلك الرائحة الكريهة وغير الطبيعية التي تفوح من الفم بفعل عوامل مختلفة، إذ أنه ليس للفم النظيف في الحالة الطبيعية أية رائحة.

البخر ومشكلاته الاجتماعية :

          كانت لتعاليم الإسلام في النظافة والطهارة الأثر الفاعل في منح البخر النصيب الوافر من اعتناء الأطباء العرب واهتمامهم به من ناحية، ومن ناحية أخرى ولكثرة ما أثار من مشكلات اجتماعية، فقد قيل الكثير عن البخر حتى غدا من العلل، وأصبح الأبخر موضع سخرية واستهزاء الجميع.

          فقد جمع الأبشيهي بعض ما قيل من طرائف عن البخر والبخراء، فمن جملة ما ذكر: " تسارر أبخر وأصم فقال له الأصم قد فهمت ثم فارقه، فسأله رجل عما قاله البخر فقال والله لا أدري غير أنه فسا في أذني"[4]. كما ذكر بعض المشاهير الذين وصفوا بالبخر فقال: " وقيل إن عبد الملك بن مروان كان أبخر فعض يوماً على تفاحة ورمى بها إلى زوجته، فدعت بسكين فقال ما تصنعين بها؟ قالت أميط الأذى عنها، فشق عليه ذلك منها فطلقها"[5] . ويذكر كذلك أنه " سارر أبو الأسود الدؤلي سليمان بن عبد الملك وكان أبو الأسود أبخر، فستر سليمان أنفه بكمه فعير أبو الأسود وهو يقول، لايصلح للخلافة من لا يقدر على مناجاة الشيوخ البخر "[6].

          كما ذكر بعض المقولات التي لا تخل من الصحة فقال: " وقيل طول إنطباق الفم يورث البخر، وكل رطب سائل اللعاب سالم منه، وقيل أن الزنج أطيب الناس أفواهاً، والسباع موصوفة بالبخر والمثل المضروب بالأسد والصقر في البخر، والكلب من بينها طيب النفس، وليس من البهائم أطيب أفواهاً من الظباء "[7]. وعاد فسلط الضوء على المعاناة من البخر وما سبب من مشكلات فذكر: وحكي أن أبخر تزوج بامرأة فلما ضاجعها عافته وتولت عنه بوجهها ثم أنشدت تقول:

                            ياحبّ والرحمن إن فاكا                        أهلكني فـولّني قفــاكا

                            إذا غدوت فاتخذ سواكا                        من عرفط إن لم تجد أراكا

                            لا تقربني بالذي سوّاكا                         إني أراك ماضغاً خراكـا[8]

          ولهذا استفاض العلماء العرب في دراسة البخر فوضعوا له التشخيص وتحروا الأسباب المؤدية للبخر وتناولوا وبإسهاب طرق الوقاية والعلاج.

الأسباب :

          تباينت آراء الأطباء العرب حول الأسباب المؤدية للبخر، فمنهم من استطاع أن يحيط بمعظم الأسباب ومنهم من اقتصر في ذكر بعض الأسباب. فنرى أن ابن القيّم ذكر فقط سببا موضعيا وسببا عاما فقال: " كثرة الخلال يفسد الأسنان ويبخر الفم وكذلك فساد الطعام [9]. وكذلك ذكر ابن كشكرايا فقال: " ربما حدث البخر من فساد يحدث في الضرس أو سن متآكل وربما حدث البخر من بلغم قد فسد وبقي في المعدة "[10].

         أما الطبري فتعرض لذكر الأسباب فكتب قائلاً: " البخر  يكون من رطوبة منتنة عفنة تتولد في المعدة، أو من عفونة اللثة أو من طعام يبقى بين أسنان فينتن "[11]. نلاحظ هنا أنه فصل بين الأسباب العامة والأسباب الموضعية الفموية لكنه لم يذكر غير القليل عن الأسباب بشكل عام كما فعل ابن كشكرايا وابن القيم. بينما استطاع ابن سينا أن يتناول الكثير من الأسباب فعرض الأسباب الموضعية وميز بينها وأشار كذلك إلى الأسباب العامة وزاد عن ذكر أمراض الهضم المؤدية للبخر التي ذكرها سابقيه بذكره للأمراض التنفسية فنرى ذلك في قوله: " أنه إما أن يكون مبدؤه اللثة لعفونة فيها أو لاسترخاء يعرض لها أو عفونة في أصل الأسنان آذت نفس السن، وإما أن يكون مبدؤه جلدة الفم لمزاج رديء فيها يغير الرطوبات وأكثر هذا المزاج حار، وإما أن يكون مبدؤه فم المعدة لخلط عفن في فم المعدة إما صفراوي أو بلغمي، وقد تكون من نواحي الرئة كما يعرض لأصحاب السل "[12].  أما إذا نظرنا فيما كتب داود الأنطاكي عن الأسباب المؤدية للبخر في قوله: " إن سببه العمور بالمهملة المفتوحة والراء فعلامته لزوجة الرطوبات وارتخاء اللحم الموسوم بذلك وهو ما بين الأسنان أو من اللثة نفسها إن كان هناك قروح وإلا فمن الأعصاب ، أو من أجزاء الفم فعلامته تغيره مطلقاً وترهل اللحم، أو من المعدة فعلامته سكونه بالأكل مطلقاً ولو عن بلغم مالح لاستتاره بالغذاء فإن استمر التغيير عند الانهضام فمن البلغم إذ لا يجوز استناده إلى الحرارة لاشتغالها بتوجيه الأغذية ورطوباتها وإلا فمنها ولا التفات إلى ما قرره الجل هنا فإني لم أجد فيه تحقيقاً "(15) .

         هنا نرى أن داود الأنطاكي استطاع ببصيرته النافذة أن يفرق بين الأسباب العامة والموضعية المؤدية للبخر كما أعطى التشخيص التفريقي بينهما رغم أنه كان بعيداً عن ذكر الأسباب العامة وعن الطريقة المثلى في التشخيص التفريقي.

          نتيجة لما ذكر نرى أن معظم العلماء العرب استطاعوا تميز الأسباب العامة والموضعية واختلفوا في ذكر الأسباب فمنهم من كان ذكره موجزاً ومنهم من استفاض في ذكر الأسباب، إلا أنه بالرغم من ذلك لم تذكر كل الأسباب وذلك لكثرتها، وفي هذا المجال نستطيع أن نذكر بدورنا الأسباب المؤدية للبخر.

          فالبخر ينشأ من تخمر الفضلات الطعامية المتبقية بين الأسنان وفي الحفرة النخرة بفعل الجراثيم المختلفة فتطلق غازات مثل الأندول والسكاتول والبولتراسين التي تؤدي إلى اكساب الفم الروائح النتنة ويزيد في ذلك الإهمال المتمادي في تنظيف الفم. وتأتي الجراثيم هذه إلى الفم بواسطة الغذاء والهواء وسرعان ماتجد الملجأ الأمين والشروط الحسنة من غذاء وحرارة وملائمة فتتكاثر بسرعة، نذكر من هذه الجراثيم: المكورات العقدية والعنقودية والرئوية والمعوية ومن عصيات لبنية ومغزلية وبريميات.

          كما يزيد جفاف الفم من رائحته، لذلك فإن الأشخاص الذين يتنفسون من الأفواه عادة هم الأكثر تعرضاً للبخر من سواهم. وكذلك فالإختمار الحادث في أنبوب الهضم سواء أكان من نتيجة اضطراب الوظيفة أم من اكثار الأطعمة وادخال الطعام على الطعام يؤدي إلى تكون مواد سامة تؤثر في الكبد التي من غريزتها ابادة الجراثيم و السموم واتلافها، فما كان نتاجاتها طيار انطرح عن طريق الرئة فجعل رائحة النفس كريهة وما انطرح منها عن طريق الجلد جعل العرق نتناً، وقد تؤثر هذه النتاجات في الجملة العصبية فتسبب دواراً.

نهج البخر :

          يجب أن يعتبر بخر الفم كعرض وليس كمرض، يعاني المصابون بالبخر من إضطرابات اجتماعية، فعلى الطبيب وخاصة طبيب الأسنان أن يعرف الأسباب الموضعية والعامة التي قد تكون مسؤولة عن هذه الحالة.

          تختلف رائحة الفم تبعاً لاوقات النهار، وتبعاً لكمية اللعاب المتدفق وعلى الكثافة الجرثومية في الفم، كما تختلف حسب الحالات الغريزية في النساء ولاسيما تلك اللواتي يعانين من إضطرابات سنية أو أنفية، يعانين أيضاً من مذاق كريه في الدم، وتحدث الرائحة الكريهة في حالات نقص سكر الدم وتصحح الحالة مؤقتاً بحقن الغلوكوز، كما تزداد شدة الرائحة مع تقدم العمر حيث تصبح ثقيلة غير مقبولة، وأن الرائحة في الصباح أثقل منها خلال النهار، ويحتمل أن يعود هذا إلى ادخار وتفسخ الخلايا البشرية والبقايا الطعامية والى المحتوى اللعابي المتناقص أثناء النوم الذي يسرع الإختمار، و رائحة أفواه المصابين بالآفات الرعلية أكثر منها في الأشخاص غير المصابين، والرائحة تكون شديدة في الأشخاص الذين لهم حليمات كثيفة مغطية للسان.

أما الروائح الناجمة عن اسباب عامة من خارج الفم فلا يمكن أن تعالج أو تزال بازالة البقايا الطعامية وجعل صحة الفم جيدة. فمثل تلك الحالات يمكن أن تعالج بدراسة وقائية وعلاجية للمريض من قبل الطبيب، وتنجم الرائحة بشكل ثانوي في آفات الرئتين والممرات التنفسية، وغالباً ماتقود هذه إلى بخر فم حقيقي، وهو على كل حال أقل شيوعاً من تلك الناجمة عن اسباب فموية، فالرائحة الناجمة عن الرئتين يمكن أن تراقب بسهولة بجعل المريض يغلق شفتيه ويتنفس من أنفه، فإذا  انعدمت الرائحة خلال هذا الإختبار فيعود الأمر غالباً إلى الفم، ويمكن اتمام الإختبار بإغلاق فتحتي أنف المريض ليتنفس برفق من فمه، وتؤخذ نماذج من البقايا من المناطق ما بين السنية وكذلك قطع من طلاء اللسان لاتمام الفحص الشمي. فالرائحة الناجمة عن الرئتين تنجم عن مرور المواد المحدثة للبخر والمنحلة في الدورة الدموية إلى هواء الزفير، قد تكون تلك المواد مشتقة من الأطعمة أو الأشربة (كالكحول والثوم) أو نتيجة استقلاب الأطعمة الناقص. وقد أشارت الدراسات إلى أن رائحة الثوم أو البصل في التنفس تنجم بشكل رئيسي من امتصاصها في الأنبوب المعوي وعبورهما البطيء إلى الرئتين، وقد وجد أن الرائحة الوصفية لهذه المواد تظهر في التنفس وبعد ذلك وبالنسبة للثوم باسفل القدمين وقد درس الباحثون أهمية محتويات المعدة في نماذج من الروائح غير الطبيعية فوجدوا أنه مالم يكن هناك تقيؤ فإن الرائحة لاتخرج من محتويات المعدة مع التنفس، ووجد أن الإمساك المجرب عمداً بجرعات قليلة من الأفيبون لمدة عشر أيام لم ينجم عنه أية رائحة غير طبيعية(16).

وبشكل مختصر نستطيع أن نصنف الأسباب المؤدية لبخر الفم إلى:

          1 – أسباب عامة

          2 – أسباب فموية

1 – الأسباب العامة وهي:

1 – أمراض الممرات التنفسية العلوية ( زوائد – التهاب اللوزتين – التهاب الجيب الفكي).

2 – أمراض الرغامى والقصبات والرئتين ( التهاب القصبات، خراجات الرئة، الآفات الخبيثة ).

3 – المواد المسببة للرائحة في الدورة الدموية والمطروحة عن طريق الهواء.

أ – الطعام، السوائل، العلاجات، الثوم، الكحول، المركبات المحتوية على اليود.

ب – الإدخار غير الطبيعي للمركبات الطبيعية في الدم (رائحة الامونياك).

جـ – المواد الغريبة في الدم ( الخلون ).

4 – الأمراض الإستقلابية كداء السكري.

5 – أمراض جهاز الهضم ( رتوج المري، القلس، التخمة المعدية، عوز الفيتامين ب، اليرقان ).

6 – أمراض الدم ( ابيضاض الدم )، البولة في الدم.

2 – الأسباب الفموية وهي:

1 – الصحة الفموية السنية وانحصار الفضلات الطعامية في الفم بسبب:

أ – الأسنان سيئة الوضع والأجهزة الصناعية أو التقويمية وأجهزة الكسور.

ب – النخور السنية.

جـ – غياب الحليمات بين السنية لأي سبب كان.

2 – الآفات التموتية وما يتلو الجراحة الفموية المرافقة لنـزف فموي، أو تنخر نسجي لأي سبب مثل التغنفر السكري وسرطان الدم والأورام الخبيثة.

3 – أمراض الأسنان كالنخر السني وتموت اللب، والخراجات السنية.

4 – أمراض اللثة كالتقيح السنخي السني والجيوب الرعلية كمأوى للأطعمة وتخمراتها والإنحلال الجرثومي والقيح.

5 – أمراض الفم كالتهاب الفم القرحي والغنغرينة الفموية ( نوما )(17) .

 

الوقاية  :

لأن الوقاية خير من العلاج لذا أخذت الوقاية حيزاً مهماً واستمدت تعاليمها من الإسلام، وذلك ابتداءً من سنن الوضوء التي أكدت على ابتداء الوضوء بالسواك حيث يقدمه على أفعال الوضوء. ونرى ذلك من أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: "إن أفواهكم طرق القرآن فطيبوها بالسواك "(18). وقال صلى الله عليه وسلم : "صلاة في اثر سواك أفضل من خمس وسبعين صلاة من غير سواك "(19).  وعن أبي هريرة رضى الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة " متفق عليه(20).

وقال صلى الله عليه وسلم: "  مالي أراكم تدخلون علي قلحاً استاكوا " (21).  وعن عائشة رضى الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " عليكم بالسواك فإنه مطهرة للفم ومرضاة للرب عز وجل " رواه أحمد والنسائي والترمذي (22).

وعن حذيفة رضى الله عنه قال: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم اذا قام من الليل يشوص فاه بالسواك " متفق عليه (23). وعن شريح بن هانئ قال: قلت لعائشة: رضى الله عنها: بأي شيء يبدأ النبي صلى الله عليه وسلم، اذا دخل بيته. قالت: بالسواك، رواه مسلم (24).

وقال علي رضى الله عنه السواك يزيد في الحفظ ويذهب البلغم (25) .

وقد نظم بعض الفضلاء خصال السواك في أبيات:

          فوائـد الســواك تحـب                  مطهرة للفم مرضاة للـرب

          يفرح أملاكا يغيظ الشيطان                  يطيب نكهة جلاء الأسـنان

          يحـد ابصاراً وتؤتي السـنة                  يحسن الصوت يزكي الفطنة

          يشـد لحم ميت الأسـنان                  يزيد في فصاحـة اللسـان

          يذكـر الميت بالشــهادة                  ينمي لمن اعتـاده اعـداده

يبطىء الشيب يزيد الاجرا          يسـهل النزع يقوى الظهرا

                   يزيد في العقل على المعتـاد                   وقاطـع رطوبة الأجسـاد(26)

          وعن أنس رضي الله عنه رفعه عليكم بالسواك فنعم الشيء السواك يذهب الحفر وينـزع البلغم ويجلو البصر ويشد اللثة ويذهب بالبخر ويصلح المعدة ويزيد في درجات الجنة ويحمد الملائكة ويرضي الرب ويغضب الشيطان. وذكر الروياني في البخر دعاء السواك فقال: ويقول عند السواك اللهم بيض اسناني وشد به لثاتي وبارك لي فيه ياأرحم الراحمين (27).

وقال عيسى بن ماسوية في تدبير السنة: السواك يجفف اللسان ويطيب النكهة وينقى الدماغ ويلطف الحواس ويجلو الأسنان ويشد اللثة وينبغي أن يستاك كل أحد بما يوافقه ومما ينفع المحرور قضبان الخلاف والذين لثتهم ضعيفة قضبان الطرفاء ويغمس السواك في الماورد ويستن بالصندل الأحمر والكبابة من كل واحد جزء رماد القصب جزء زبد البحر نصف جزء عاقرقرحا وميويزج من كل واحد سدس جزء وقتات العود ثلث جزء فإنه نافع.

          هذا وقد ذكرت نصائح أخرى لتلافي البخر ونجد هذا من حديث عمر رضي الله عنه: اياكم ونومة الغداة فإنها مبخرة مجفرة مجعرة، وجعله القتيـبي من حديث علي. وقوله مبخرة أي مظنة للبخر وهو تغير ريح الفم(28).

وفي حديث المغيرة: اياك وكل مجفرة مبخرة يعني النساء (29).

وفي حديث علي رضي الله عنه: رأى رجلاً في الشمس فقال: قم عنا فإنها مبخرة مجفرة تنقل الريح وتبلي الثوب وتظهر الداء الدفين (30).

كما أكدت تعاليم الإسلام على عدم أكل الثوم أو البصل أو الكراث أو غيره مما له رائحة كريهة وذلك عند دخول المسجد وقبل زوال رائحته، فعن ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " من أكل من هذه الشجرة يعني الثوم فلا يقربن مسجدنا " متفق عليه (31).

وعن أنس رضى الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: " من أكل من هذه الشجرة، فلا يقربنا ولايصلين معنا " متفق عليه (32) .

وعن جابر رضى الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: "من أكل ثوماً أو بصلاً، فليعتزلنا، أو فليعتزل مسجدنا " متفق عليه (33).

ومن رواية لمسلم: " من أكل البصل والثوم، والكراث، فلا يقربن مسجدنا، فإن الملائكة تتأذى مما يتأذى منه بنو آدم "(34).

وعن عمر بن الخطاب رضى الله عنه أنه خطب يوم الجمعة فقال في خطبته: ثم إنكم أيها الناس تأكلون شجرتين ما أراهما إلا خبيثتين: البصل، والثوم. لقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا وجد ريحهما من الرجل في المسجد أمر به، فأخرج إلى البقيع، فمن أكلهما، فليمتهما طبخاً. رواه مسلم(35).

وذكر داود الأنطاكي بعض من النصائح الواقية للبخر فقال: " هجر كل ذي ريح كريه كالكراث وما غلظ محموداً كان أو مذموماً كالتمر ولحمر البقر وما يسرع بالتعفن و الفساد كاللبن "(36).

وقد وضع سديد الدين بن رقيقة وصية طبية شملت إرشادات وقائية للصحة فنظمها قائلاً:

 توق الإمتـلاء وعـد عنـه                          وإدخال الطعام على الطعام

وإكثـار الجمـاع فإن فيـه                          لمن والاه داعيـة السـقام

ولا تشرب عقيب الأكل ماء                           فتسـلم من مضرات عظام

ولا عند الخوى والجوع حتى                            تلهن  باليســير من الادام

وخذ منه القليل ففيه  نفـع                            لذي العطش المبرح والاورام

وهضمك فأصلحنه فهو أصل                          وأسـهل بالايارج كل عام

وفصد العـرق نكب عنه إلا                          لذي مرض رطيب الطبع حامي

ولا تتحركـن عقيب أكل                            وصير ذاك بنـد الإنهضـام

لئلا ينـزل الكيلوس  فجا                    فيلحج في المنـافذ والمسـام

ولاتدم السـكون فإن منـه                           تولد كل خلط فيك خـام

وقلل ما استطعت الماء بعد الرياضة           واجتنب شــرب المـدام

وعدل مزج كأسك فهي تبقي الحرارة                 فيـك دائمـة الضـرام

وخـل السـكر واهجره مليـاً             فإن السكر من فعل الطعام

واحسن صون نفسك عن هواها              تفز بالخلد في دار السلام (37)

          ومن أمور الوقاية أيضاً المعالجة الجيدة ووضع التعويضات الجيدة التي من المفترض أن تصبح كجزء لايتجزأ من الوسط الفموي بحيث لا تساهم في إحداث الأمراض وتكون مصدر لإحداث البخر واشار إلى هذه النقطة عدد من الأطباء العرب القدامى وسنذكر هذا في طرق المعالجة المعتمدة من قبلهم والتي قد لا تختلف عن المعالجات الحالية إذا ما رفعنا التطور الحادث في تقنيات المعالجة.

المعالجة :

          كان لتعدد الأسباب المؤدية للبخر الأثر في كثرت طرق معالجة البخر، فتناول الأطباء العرب العلاج بحسب السبب بالإضافة لاستعمالهم بعض أنواع الوصفات الطبية والأدوية الخاصة للبخر التي سنأتي على ذكرها.

علاج ماكان سببه من اللثة، يقول في ذلك الطبري: " فإن كان البخر من استرخاء اللثة وفسادها نفعه الأشياء القابضة الدبّاغة للثة والتغرغر بالعاقرقرحا والمرزنجوش والخل والخردل"(38).

ثم يضيف: " فإن كان ذلك من اللثة نفعه أن يتمضمض بخل قد طبخ فيه ثمرة الطرفا ويستاك بالفيقرا "(39)، ثم يضيف كاتباً: " وينفع من استرخاء اللثة ويبيض الأسنان أن يأخذ من رماد القصب وزن ثلثين درهماً، ومن ملح أندراني مقلو خمسة عشر درهماً ومن ثمر الطرفا خمسة دراهم ومن زبد البحر خمسة دراهم ، وحب البان المقشر خمسة دراهم يسحق وينخل ويستعمل. وإن أحببت أن يجلب البلل فزد فيه مويزج وعاقرقرحا من كل واحد خمسة دراهم "(40).

          أما الرازي فلم يخض في علاج اللثة رغم أنه ذكر أو شخص سبب اللثة كأحد أسباب البخر عند قوله: " اللثة التي تنتفخ وتحمر وترم وتتآكل "(41).

          وفي هذا ذكر الشيخ الرئيس ابن سينا الشيء الكثير، فكتب قائلاً: " أما ما كان من اللثة

والعمور فيجب أن يعتنى بتنقية الأسنان دائماً وغسلها بالخل والماء فإن تجمع ذلك فيها ونعمت، وإن لم ينجع بل كان هناك فضل عفونة فيجب أن يمضغ بعد ذلك ثمرة الطرفاء والعاقرقرحا والسذاب والساذج والعود والمصطكى وقشر الأترج والقرنفل وأن يجعل على اللثة الصبر والمر ونحوهما وأن يتمضمض بخل العنصل وأن يتدلك بالأنيسون والطلي أو النبيذ الحلو وإن كان أقوى من ذلك مضغ الميويزج وتقل الريق فإن لم ينجع وظهرت العفونة ظهوراً بيناً أخذ من المزاج المحرق جزأ ومن أصل السوسن والزعفران من كل قرص واحد نصف جزء ، ويعجن بعسل ويقرص ويستعمل ويتمضمض بعده بالخل صرفاً أو ممزوجاً بماء الورد أو يؤخذ دواء أقوى من هذا وهو القرطاس المحرق ثلاثة دراهم ،