دلالات فحص لون البول في الطب العربي الإسلامي

 

 

إعداد

 

الدكتور عبد الناصركعدان*

 

الدكتور طالب شلب الشام **

مقدمة

منذ أن نشأ الطب على يد إنسان في العصور ما قبل التاريخ وغايته السامية هي حفظ صحة الإنسان السليم ومعالجة السقيم، كما قال ابن خلدون[1] في مقدمته: (هذه الصناعة ضرورية في المدن والأمصار، لما عرف من فائدتها، فإن ثمرتها حفظ الصحة للأصحاء، ودفع المرضى بالمداواة حتى يحصل لهم البره من أمراضهم)،[2]  وللشيخ الرئيس[3] رأي مماثل حيث يقول: (أقول: إن الطب علم يتعرف منه أحوال بدن الإنسان من جهة ما يصح ويزول عن الصحة، ليحفظ الصحة حاصلة، ويستردها زائلة).[4] وقد اختلفت وسائل وأساليب الوصول إلى هذه الغاية. لكنها ومنذ فجر التاريخ تتلخص في ثلاث مهام أساسية للطبيب، هي تشخيص المرض، فعلاجه، ومن ثم متابعة تطور المرض، حتى الوصول إلى الشفاء، وفي هذا يقول ابن خلدون عند تعريفه الطب: (ومن فروع الطبيعيات صناعة الطب، وهي صناعة تنظر في بدن الإنسان من حيث يمرض ويصح، فيحاول صاحبها حفظ الصحة، وبره المرض بالأدوية والأغذية، بعد أن يتبين المرض الذي يخص كل عضو من أعضاء البدن وأسباب تلك الأمراض التي تنشأ عنها، وما لكل مرض من الأدوية).[5] ورغم التطور الهائل والمتسارع الذي يشهده العصر الحديث في مجال الطب، ماتزال هذه الثوابت راسخة، وإن تشعبت طرائق كل منها وتفرعت، بحيث يستحيل الإلمام بها ككل. فوسائل التشخيص لا تعد ولا تحصى، وأساليب العلاج لا تثبت على حال، فهي في تطور مستمر، وأضحت دراسة المرض علماً مستقلاً.

لقد اعتمد تشخيص المرض في العصور القديمة على حذق ومهارة الطبيب المعالج، فهو يستوضح أعراض المريض، ويستقصي علاماته، لتشخيص مرضه، ثم يقوم بالإجراءات التشخيصية لتأكيد تشخيصه. وكانت هذه الاختبارات قديماً تعتمد على فحص مخلفات المريض، كالبراز والبول وغيرها. وربما كان لفحص البول الدور الأكبر في التشخيص، والذي كان يدعى القارورة أو التفسرة. وتسمى القارورة باسمها لاستقرار الشراب فيها، وذلك على حسب ما أورد ابن منظور[6] في لسان العرب: (والقارور: ما قر فيه الشراب وغيره)،[7] ويقول: (وواحدة القوارير: قارورة، سميت بها لاستقرار الشراب فيها).[8] أما كلمة التفسرة، فقد أتت من الفَسْر، أي البيان، لأن كل ما يعرف به تفسير الشيء ومعناه فهو تفسرته، وذلك على ما قال ابن منظور: (الفَسْر: البيان. فَسَر الشيء يفسِره، بالكسر، ويفسُره، بالضم، فَسْراً وفسْرة: أبانه، . . . . والفسر: نظر الطبيب إلى الماء، وكذلك التَفْسِرة؛ قال الجوهري: وأظنه مولداً، وقيل التفسرة البول الذي يُستدل به على المرض، وينظر فيه الأطباء، يستدلون بلونه على علة العليل، وهو اسم كالتَّنهية، وكل شيء يعرف به تفسير الشيء ومعناه، فهو تَفْسرته).[9]

لقد كان هذا الفحص يتم بالملاحظة الدقيقة بالعين المجردة. وقد بلغ العرب في ذلك شأناً عظيماً، فقد استطاعوا بفحص البول بوسائلهم البسيطة التمييز بين بول الذكر والأنثى، حيث يقول ابن سينا في ذلك: (بول النساء على كل حال أغلظ وأشد بياضاً وأقل رونقاً من بول الرجال، وذلك لكثرة فضولهن ، وضعف هضمهن، وسعة منافذ ما يندفع عنهن، ولما يتحلل إلى آلات أبوالهن من أرحامهن. ثم اعلم أن بول الرجال إذا حركته فكُدِّر، مالت كُدْرَته إلى فوق، وهو في الأكثر يكدر. وبول النساء لا يكدره التحريك لقلة تَميُّزه، ويكون في الأكثر على رأسه زبد مستدير، وإن تكدر كان قليل الكدر. وبول الرجل على أثر جماعه فيه خيوط منْتَسِج بعضها في بعض)،[10] وفي ذلك يقول الرازي[11] نقلاً عن أحمد بن الطيب: (قال: بول الرجل إذا حركته كدر، وأخذ الكدر يصعد إلى فوق، وبول النساء فيه رقة، لا يتكدر إذا حركته، وعلى رأسه زبد مستدير)،[12] وبين بول الأنثى الحبلى وبول غير الحبلى وبول النفساء، حيث يقول ابن سينا في ذلك: (وبول الحَبالى صافٍ عليه ضباب في رأسه، وربما كان على لون ماء الحمّص وماء الأكارع أصفر فيه زرقة، وعلى رأسه ضباب، وكيف كان فيرى في وسطه كقطن منفوش، وكثيراً ما يكون مثل الحب ينزل ويصعد. وإن كانت الزرقة شديدة الظهور، فهو أول الحمل، وإن كان بدلها حمرة، فهو آخره، وخصوصاً إذا كان يتكدّر بالتحريك. وبول النفساء في الأكثر يكون اسود فيه كالمداد والسخام).[13] وفي هذا يقول الرازي: (تجارب المارستان: ماء الحبلى فيه غلظ كماء المستسقي)،[14] بل إنهم ميزوا بول الإنسان عن بول الحيوان، حيث يقول ابن سينا عند حديثه في أبوال الحيوانات للامتحان، وبيان مخالفتها لأبوال  الناس: (فنقول: ربما انتفع الطبيب عند وقوفه على أبوال الحيوانات فيما يجرّب به، إذا اتفق أن أصاب، وذلك عسر. قالوا: إن بول الجمال يكون في القارورة كالسمن الذائب مع كدرة وغلظ من خارج، وبول الدواب يشبهه، لكنه أصفى. ويخيل أن نصف قارورته الأعلى صافٍ، ونصفها الأسفل كدر. وبول الغنم أبيض في صفرة، قريب من بول الناس، ولكن ليس له قوام، وثفله كالدهن، أو كثفل الدهن. وكلما كان غذاؤه أجود، فهو أصفى. وبول الظبي يشبه بول الغنم والناس، ولكن ليس له قوام، ولا ثفل له، وهو أصفى من بول الغنم).[15] كما ميزوا البول عما قد يشبهه من السوائل والأشربة المعروفة آنذاك، وفي ذلك يقول ابن سينا: (اعلم إن السكنجبين وجميع السيّالات من ماء العسل وماء التين وغير ذلك من ماء الزعفران ونحوه، كلما قربت منه ازدادت صفاء. والبول بالخلاف. وماء العسل أصفر الزبد، وماء التين يرسب ثفله من جانب لا في الوسط ولا بالهندام ولا حركة له).[16] ويورد الرازي نقلاً عن كتاب أحمد بن الطيب عبارات مطابقة لما ذكره ابن سينا من تفريق بين بول الرجال والنساء، وبين بول المرأة الحبلى وغير الحبلى، وبين أبوال الحبالى في مختلف أطوار الحمل، وبين بول الإنسان والحيوان، وبين بول الإنسان والسوائل الأخرى، وربما كان مصدرهما واحداً.[17] ولعل أطرف ما يذكر في هذا المجال ما حكاه ابن أبي أصيبعة[18] في كتابه عيون الأنباء في طبقات الأطباء عند حديثه عن بختيشوع بن جورجس[19]: (ولما كان بعد مدة مديدة، وافى بختيشوع الكبير ابن جورجس، ووصل إلى هارون الرشيد[20]، ودعا له بالعربية وبالفارسية. فضحك الخليفة، »وقال ليحيى بن خالد[21]: أنت منطقي فتكلم معه حتى أسمع كلامه«. فقال له يحيى: »بل ندعو بالأطباء«. فدعى بهم، وهم أبو قريش عيسى،[22] وعبد الله الطيفوري،[23] وداود بن سرابيون،[24] وسرجس.[25] فلما رأوا بختيشوع قال أبو قريش: »يا أمير المؤمنين ليس في الجماعة من يقدر على الكلام مع هذا، لأنه كون الكلام هو وأبوه، وجنسه فلاسفة«. فقال الرشيد لبعض الخدم: »أحضر ماء دابّة حتى نجربه«. فمضى الخادم وأحضره قارورة الماء. فلما رآه قال: »يا أمير المؤمنين ليس هذا بول إنسان«. قال له أبو قريش: »كذبت هذا ماء حظية الخليفة«. فقال له بختيشوع: »لك أقول أيها الشيخ الكريم لم يبل هذا إنسان البتة، وإن كان الأمر على ما قلت فلعلها صارت بهيمة«. فقال له الخليفة: »من أين علمت أنه ليس ببول إنسان«؟ قال له بختيشوع: »لأنه ليس له قوام بول الناس، ولا لونه ولا ريحه«. قال له الخليفة: »بين يدي من قرأت«؟ فقال له: »قدام أبي جرجس قرأت«. قال له الأطباء: »أبوه كان اسمه جورجس، ولم يكن مثله في زمانه، وكان يكرمه أبو جعفر المنصور إكراماً شديداً«، ثم التفت الخليفة إلى بختيشوع، فقال له: »ما ترى أن نطعم صاحب هذا الماء؟« فقال: »شعيراً جيداً«. فضحك الرشيد ضحكاً شديداً، وأمر فخلع عليه خلعة حسنة جليلة، ووهب له مالاً وافراً. وقال: »بختيشوع يكون رئيس الأطباء كلهم، وله يسمعون ويطيعون«).[26]

والقارورة أو التفسرة، قديم شائع منذ أيام اليونان، فداود الأنطاكي[27] عند حديثه عن القارورة ينسبها لأبقراط:[28] (وتسمى التفسرة، لأنها تكشف عن حال المرض وأسبابه. والكلام فيها يستدعي أموراً، الأول في شروطها. وأول من عينها وقرر الكلام فيها أبقراط، ثم توسع الناس، فأفردوها بالتأليف)،[29] كما أنه ينقل عن جالينوس عند الحديث عن دلالة البول (وقال جالينوس[30] وغالب القدماء: تدل على سائر الأعضاء، لأن الحرارة تصعد الماء والقوى تجذبه مع الدم إلى الأعماق، ثم يعود مسالكه وقد مر على جميع الأعضاء).[31] وهذا شأن الرازي في كتابه الحاوي في الطب، فهو ينسب كثيراً من الأقوال في البول إلى جالينوس وأبقراط وروفس وغيرهما كثير، كما ذكر ابن أبي أصيبعة أن لروفس[32] مقالة في البول،[33] وعنه يأخذ ابن سينا فيقول: قال روفس: البول الأسود يستحب في علل الكلى والعلل الهائجة من الأخلاط الغليظة، وهو دليل مهلك في الأمراض الحادة«.[34] وكذلك ذكر ابن أبي أصيبعة في موضع آخر أن لمغنس الحمصي[35] كتاب البول.[36] ومن هذا نستدل أن لهذا الاختبار مكانته في الطب اليوناني القديم. كما ذُكِر أن قدماء المصريين كانوا يفحصون مخلفات المريض لتشخيص مرضه.

التفسرة بين الرازي وابن سينا وأمهات الكتب الحديثة:

بالعودة إلى الموسوعتين الأهم في مجال الطب القديم أي القانون لابن سينا والحاوي للرازي نجد أن الرازي قد أفرد باباً ضخماً في المجلد التاسع عشر للحديث من البول أورد فيه آراء أخذها من أكثر من ثلاثين مرجعاً لكثير من السابقين كأبقراط وجالينوس وحنين والطبري وأهرن وابن ماسويه وغيرهم كثير،[37] وكأنه يحرص على أن يورد كل ما كتب قبله حول هذا الموضوع، فجاء هذا الباب في كتابه ضخماً جداً مضطرباً مفتقداً منهجية العرض ويكثر فيه التكرار ولمرات عديدة لكل فكرة وذلك حسب المصدر الذي أخذت منه هذه الفكرة. وهذا لا يعني أن الرازي كان مجرد جامع لأقوال سابقيه، فهو مع ذكره هذه الأقوال يفندها ويذكر شروط تحققها بل ويناقضها في بعض الأحيان تبعاً لتجربته في هذا المجال، ويبدو ذلك جلياً في كتابه حيث يقول: (مسائل ابيذيميا: شر البول الأسود وما يثبت كذلك ولم يتغير. لي: قد رأيت خلقاً بالوا بولاً أسود يوماً ويومين  ثم بالوا بولاً رقيقاً وتخلصوا، فأما من دام به ذلك أو بال بعده شيئاً مثل ما تكون المرارة نفسها أو شيئاً غليظاً أصفر قليلاً أو دماً فإنهم ماتوا كلهم)،[38] وهو يقول كذلك معبراً عن تجربته بعد نقله عن أيوب الأبرش: (ورأيت أنا ذلك بالتجربة من المرضى كذلك، فإني لم أجد مع الأبوال الحمر من الحرارة ما وجدتها مع الأبوال الصفر المحكمة الصفرة، ورأيت ما ازداد صفرة ازداد حرارة)،[39] لكنه في هذا كله لم يتبع منهجاً واضحاً منسقاً في عرض معلوماته، في حين أن ابن سينا كان أكثر منهجية في عرضه لأفكاره، فقد أفرد فصلاً خاصاً عن البول أورد فيه أول الأمر مقدمة عامة عن فحص البول أورد فيها الشرائط الواجب اتباعها للوصول إلى نتيجة سليمة للاختبار، وذكر توصياته حول طريقة إجراء الفحص ذاتها، ثم ذكر الدلالات الأولية المأخوذة من البول، ثم عدد الصفات التي يعتمد عليها للوصول إلى هذه الدلالات و عرف كلاً من هذه الصفات، وذكر ما يفرق كلاً منها عن غيرها التي قد تلتبس بها، وبعد ذلك شرع في شرح وتفصيل كل صفة على حدة، فذكر أولاً دلائل ألوان البول، مفصلاً في الألوان الممكنة ودلالات كل منها وإنذارها، ثم فصل في صفة قوام البول وصفائه وكدورته، ثم بحث دلائل رائحة البول، فالدلائل المأخوذة من الزَبَد، ثم دلائل أنواع الرسوب، ومن ثم دلائل كثرة البول وقلته، ومن ثم أفرد فصلاً في البول النضيج الصحي الفاضل، وفصلاً في اختلاف الأبوال حسب السن، ثم فصلاً للتفريق بين أبوال النساء والرجال، وآخر في أبوال الحيوانات، والفصل الأخير في البول كان للتفريق بين الأشياء السيالة التي تشبه الأبوال والتفرقة بينها وبين الأبوال. وهو لم يقتصر على ذلك، بل إنه كان عند استعراضه لأي مرض يترافق عادة مع تغير صفات البول يذكر هذه التغيرات في مكانها، فهو يقول مثلاً عند بحثه حصاة المثانة: (ونقول ههنا أيضاً، أن البول في حصاة المثانة إلى بياض ورسوب ليس بأحمر، بل إلى بياض أو رمادية، وربما كان بولاً غليظاً زيتي الثفل)[40] وكان هذا من الأماكن النادرة للتكرار الذي ورد عند ابن سينا عند بحثه لصفات البول، وهو تكرار مستحب يقع ضمن منهج البحث السليم، وكما أفرد للإنذار المأخوذ من صفات البول فصولاً خاصة عند حديثه عن تقدمة المعرفة وأحكام البحران. ولهذا جاء عرضه مسلسلاً مرتباً خالياً من التكرار والحشو، ولذلك فالأفضل عند بحث القارورة عموماً تتبع خطا ابن سينا في بحثه هذا إجمالاً، دون إغفال لأي زيادة وردت في الحاوي ولم تذكر في القانون، وهي قليلة عموماً، وذلك رغم الفارق الضخم في كم المعلومات فيما بين الكتابين.

وأسلوب ابن سينا هذا هو الأسلوب المدرسي المتبع في الكتب الطبية الموسوعية الحديثة العامة منها والتخصصية، فهذه الكتب تعرض لمنهج فحص البول بشكل كامل، مع دلالات كل اختبار من اختباراته مع ذكر حالاتها السوية وتغيراتها جملة، ثم تورد ذكر كل من هذه التغيرات فرادى عند بحث الأمراض التي تترافق مع هذه التغيرات.

الهدف من القارورة

لم يكن الهدف من فحص البول تشخيص المرض فقط، بل إنه يهدف إلى متابعة العلاج، والتنبؤ بسير المرض، ومعرفة إنذار المرض وإمكانية نكسه، حيث نجد ابن سينا يقول (فإذا اشتدت الصفرة إلى حد النارية وإلى النهاية فيها، فالحرارة قد أمعنت في الازدياد، وذلك هو الشقرة الناصعة، فإن ازدادت صفاء، فالحرارة في النقصان)،[41] حيث يشير هنا إلى مراقبة البول، بهدف معرفة تطور المرض، لمعرفة إمكان الشفاء أو سوء الحال، وهناك علامات لتوقع نكس الحالة، يتحدث عنها ابن سينا حيث يقول: (وأردؤه أرقه على لونه وحاله وهيئته، وإذا بيل غزيراً فربما كان دليل خير في الحميات الحادة والمختلطة، لأنه كثيراً ما يكون دليل بحران وإفراق، إلا أن يرق في الأول دفعة قبل وقت البحران، فيكون حينئذ دليل نكس. وكذلك إذا لم يتدرج إلى الرقة بعد البحران)،[42] وتبدو فكرة متابعة القارورة للتنبؤ بتطور سير المرض نحو الأسوأ أو نحو الشفاء واضحة في قول الرازي: (مثال: انزل أن عليلاً بال من أول يوم بولاً إلى الحمرة غليظاً، أقول: إن هذا البول ما دام على حاله فإنه لم يحدث فيه نضج، فإن انتقل إلى السواد دل على رداءة، وإن انتقل إلى الأترجية، وكان لون بول المريض في صحته الأترجي فإنه يدل على أنه قد نضج، فإن انتقل إلى بياض ورقة، أقول: إن هذه العلة قد انقضت البتة وبرأ العليل منها)،[43] وتبدو فكرة معرفة إنذار المرض أياً كان العضو المصاب بالاعتماد على القارورة من خلال قوله كذلك: (قال ج: احفظ عني في البول هذه الواحدة وهو أن تنظر مع ما تنظر فيه إلى علل البطن والصدر والرئة والعصب، فإن رأيت البول مع ذلك حسناً محموداً فلا تثق منه لكثير من السلامة، وإن ظهر لك منه قبح فازدد خوفاً شديداً على المريض)[44]

شروط العينة المفحوصة

ولفحص البول عند القدماء -كما في عصرنا هذا- شروط دقيقة يجب مراعاتها للحصول على أفضل النتائج (لا ينبغي أن يوثق بطرق الاستدلال من أحوال البول إلا بعد مراعاة شرائط). وهذه الشروط تدل على عمق التجربة ودقة الملاحظة، وهذه الشروط هي:

1- أن يكون أول بول صباحي، ولم يكن طال بقاؤه في المثانة (يجب أن يكون أول بول أصبح عليه، ولم يدافع به إلى زمان طويل، ويثبت من الليل).[45] وهذا معلوم حديثاً لأن عناصر البول تكون أكثف ما تكون في البول الصباحي، وبالتالي ففحصه يعطي فكرة واضحة عن عناصره السوية منها والمرضية على حد سواء. كما أن مكوث البول في المثانة يغير صفاته، لتكاثر الجراثيم فيه، خاصة في حالة الالتهاب. ومن عينات البول المفحوصة حديثاً عينة بول 24 ساعة، وفحص هذه العينة لم يكن غائباً في الطب القديم فقد ذكر الرازي إمكانية فحص هذه العينة في مواضع عدة من كتابه، فهو يقول: (من نوادر تقدمة المعرفة، قال: أمرت العليل أن يحبس كل بول يبوله في ليلة ثم نظرت إلى أبواله كلها من غد)،[46] وبعد عدة صفحات يكرر ذلك بعبارة اخرى من المصدر نفسه حيث يقول: (من تقدمة المعرفة: ذكر أنه لما أراد استقصاء المعرفة بأمر رجل أمره أن يحبس جميع ما يبوله في ليلته وما يبوله إلى الساعة الرابعة من النهار من غد تلك الليلة كل مرة على حدة، ثم نظر إليها كلها من غد).[47] ونلاحظ أن هذه الفكرة مكررة، لكن ربما كانت هذه من الأفكار القليلة في الحاوي التي لم تكرر إلا مرتين فقط على طول الكتاب فجميع أفكاره كما سنلاحظ في مثال لاحق مكررة وبكثرة.

2- واشترط ألا يكون صاحب البول قد تناول ما يغير صفات البول، حيث يقول ابن سينا: (ولم يكن صاحبه شرب ماء أو أكل طعاماً. ولم يكن تناول صابغاً من مأكول أو مشروب كالزعفران والرمان والخيار شنبر، فإن ذلك يصبغ البول إلى الصفرة والحمرة، وكالبقول فإنها تصبغ إلى الحمرة والزرقة، والمري فإنه يصبغ إلى السواد، والشراب المسكر يغيّر البول إلى لونه)،[48] وللرازي رأي مشابه في ذلك، فهو يقول نقلاً عن اليهودي: (قال: أكل البقول تخضر الماء، والمرّي يسود الماء، فسل عنه، وبول من يجامع يكون دسماً فتفقد ذلك)،[49] والرازي إضافة إلى ذلك لم يغفل التبدلات التي تحدث نتيجة الصيام، فهو يقول: (كذلك إن أقام الرجل لا يغتذي ازداد الصبغ ونقص الرسوب)،[50] ويقول كذلك في موضع آخر نقلاً عن كتاب الدلائل: (قال: وكلما قل الشراب كان البول أكثر صبغاً وأقل رسوباً، وبالضد)[51] إذ من المعلوم إن شرب الماء بكثرة يمدد البول، كما أن تناول الطعام يؤدي لإطراح بعض المواد في البول سواء بشكل فضلات، أو بشكل فائض يطرح في البول، كما يحدث لدى مريض الداء السكري الذي يؤدي ارتفاع سكر الدم لديه بعد نصف ساعة من تناول الطعام إلى إطراح كميات كبيرة من السكر في البول. وإضافة إلى ذلك فهناك الكثير من المواد الصباغية التي تبدل لون البول، مما قد يجعله يختلط ببعض الأمراض، وقد ذكر منها الزعفران والرمان وغيرها. وهذا يعتبر بمثارة تنبيه للفاحص عند إيجاده بعض هذه الألوان للسؤال عن الغذاء والأدوية المتناولة. وهذا ما يسير عليه الطب الحديث عندما يبحث في الأدوية والأغذية التي تغير لون البول.

3- عدم الاختضاب، وفي ذلك يقول ابن سينا: (ولا لاقت بشرته صابغاً كالحناء، فإن المختضب به ربما انصبغ بوله منه)،[52] وبذلك ينبه على عدم تلوث البول بصباغ خارج عنه.

4- عدم تناول مدرات الأخلاط، ويقول ابن سينا في ذلك: (ولا يكون تناول ما يدر خلطاً، كما يدر الصفراء أو البلغم)،[53] لأن إدرار الأخلاط يغير من تركيب البول وصفاته.

5- ألا يكون قد قام بمجهود غير معتاد أو عمل غير مألوف، مما يغير صفات البول سواء منها اللونية أو صفة القوام، وبهذا يقول ابن سينا: (ولم يكن تعاطى من الحركات والأعمال، ومن الأحوال الخارجة عن المجرى الطبيعي ما يغير الماء لوناً، مثل الصوم والسهر والتعب والجوع والغضب، فإن هذه كلها تصبغ الماء إلى الصفرة والحمرة. والجماع يدسم الماء تدسيماً شديداً، ومثل القيء والاستفراغ، فإنهما أيضاً يبدلان الواجب من لون الماء وقوامه)،[54] والرازي يقول في ذلك: (وأبوال الأصحاء الذين يتعبون ولا يكثرون الأكل، المرار غالب عليه)[55] ومن المعروف حالياً أن القيام بالتمارين العنيفة يؤدي لإطراح بعض المواد في البول مثل الميوغلوبين[56] وبعض الكريات الحمر والبروتينات، مما يغير فعلياً كثافة البول ولونه.

6- فحص البول خلال ست ساعات عند معظم القدماء، إلا أن ابن سينا يرفض النظر في البول بعد ساعة من إطراحه، لأن دلائله تضعف وتفقد موجوداته قيمتها بسبب تغير صفات الرسوب، يقول ابن سينا: (وكذلك إتيان ساعات عليه، ولذلك قيل يجب أن لا ينظر في البول بعد ست ساعات، لأن دلائله تضعف، ولونه يتغير، وثقله يلوب ويتغير أو يكثف أشد. على أني أقول: ولا بعد ساعة)،[57] وبهذا يقول الرازي نقلاً عن روفس، حيث يقول: (قال: ويجب أن ينظر الطبيب إلى البول بعد أن يبال بساعة ولا يصيبه شمس ولا ريح، لأن ذلك يغيره، ولا يبال بولتان في قارورة)[58] وهذا حالياً من أهم الشروط للحصول على نتائج دقيقة، ولعل ابن سينا حين رفض فحص البول بعد مرور ساعة عليه كان أكثر دقة، وذلك لأسباب معروفة حالياً، منها إن بعض البلورات التي تكشف بالفحص لا تكون موجودة أصلاً في البول، بل تكون بشكل أملاح ذوابة كأملاح البولات، ثم تترسب خاصة في الأجواء الباردة، مما يضلل الفحص، وعادة تشكل هذه البلورات رسوباً كبير الكمية (ثقيلاً)، ذا لون وردي. كما أن بعض المكونات الخلوية تتخرب بعد مرور ساعات على البول، كالأسطوانات[59] والكريات البيض والكريات الحمر، لاسيما في البول ناقص الأسمولية، وكذلك فإن السكر الموجود في البول يستهلك من قبل الجراثيم الموجودة في البول، وتتطاير بعض المكونات الكيميائية كالكيتونات.[60]

7- ويشترط ابن سينا لفحص البول جمعه كاملاً في قارورة واسعة، ولا يفحصه مباشرة بل يضع القارورة في مكان معتدل الحرارة غير معرضة لشمس أو ريح أو برودة، حتى يهدأ البول في القارورة، ويستقر ثفله أٍسفل القارورة، ثم يفحصه، فهو عندئذ معبر عن حال المريض، فهو يقول: (وينبغي أن يؤخذ البول بتمامه في قارورة واسعة لا يصب منه شيء ويعتبر حاله، لا كما يبال، بل بعد أن يهدأ في القارورة، بحيث لا يصيبه شمس ولا ريح، فيثوره أو يجمده، حتى يتميز الرسوب، ويتم الاستدلال. فليس كما يبال يرسب، ولا في تام النضج جداً)،[61] وبذلك يقول الرازي كذلك: (ولتكن القارورة عظيمة لا يترك من البول شيء البتة)[62]

8- يشترط لجمع البول استخدام قارورة واسعة زجاجية شفافة نقية الجوهر، من الزجاج الصافي (وآلة أخذ البول هو الجسم الشفاف النقي الجوهر كالزجاج الصافي والبلور)،[63] إذا إن الزجاج المشوب أو الملون قد يظهر البول على غي&