تجبير الكسور عند الأطباء العرب (داود الأنطاكي أنموذجا)

الدكتور عبد الناصر كعدان*

 

ملخص البحث

اهتم الأطباء العرب بطب الكسور اهتماماً بليغاً، ولقد لمع منهم أبو بكر الرازي الذي ألّف في فروع الطب جميعها، ومن جملتها الكسور والخلوع. ألّف الرازي كتاباً في الجبر وكيف يسكن ألمه، وما علاقة الحرّ فيه والبرد. وكتب كتاباً آخر في العمل بالحديد والجبر، وقد ذكر في كتاب الجامع أو الحاضر (صناعة الطب)، وفي قسمه الأول، كلاماً في حفظ الصحة وعلاج الأمراض والوثي والجبر والعلاجات. ثم أتى من بعده ابن سينا وهو العالم الموسوعي الذي اهتم بصناعة الطب، وألّف كتابه (القانون في الطب) الذي ظلّ يدرّس في جامعات أوروبا حتى القرون المتأخرة من العصر الوسيط. ولقد خصص ابن سينا في الكتاب الرابع من كتابه هذا مقالتين للكلام عن الكسور. لقد لمع الزهراوي كأول طبيب عربي جرّاح مارس الجراحة، وهذا ما ظهر واضحاً وجليّاً في مؤلفه الذي سمّاه "التصريف لمن عجز عن التأليف" وخاصة في المقالة الثلاثين منه، حيث تكلم كلاماً مستفيضاً عن الجراحة والآلات الجراحية وعن الكسور وطرق تجبيرها.

تحدث داود الأنطاكي في كتابه تذكرة أولي الألباب والجامع للعجب العجاب عن تجبير الكسور. وقد ابتدأ ذلك بتفريقه بين الرض والكسر، فقال معرفا الرض: "بأنه فساد ما فوق العظم من عصب وغيره ولو غشاء، وقد يحصل من ضربة أو صدمة". أما في تعريفه الكسر فيقول: "هو عبارة عن انفصال أجزاء العظم أو العظام بحيث يصير الجزء الواحد بعد شكله الطبيعي جزأين فصاعدا". وعن العوامل التي تمنع حدوث جبر الكسر؛ فيتحدث عنها الأنطاكي، ويبين كيفية التعرف عليها. كما تطرق بالحديث أيضا عن الخلوع التي قد تصاب بها مختلف مفاصل الجسم.

    هدف هذا البحث هو التطرق بالذكر لموضوع تجبير الكسور كما تحدث عنه الأطباء العرب عموما وداود الأنطاكي خصوصا، وإبراز أهم آراء الأخير في هذا المجال.


الشيخ داود الأنطاكي:

    هو داود بن عمر الأنطاكي، عالم بالطب والأدب. كان ضريرا، انتهت إليه رياسة الأطباء في زمانه. وهو صاحب الكتاب الطبي المشهور تذكرة أولي الألباب والجامع للعجب العجاب. ولد في الفوعة وانتقل به والده إلى إنطاكية فنشأ بها، ثم منها إلى الشام ثم إلى مصر فقطن بها، وكانت له خلوة بالمدرسة الظاهرية تجاه البيمارستان. في سنة 1008 هـ (1599 م) رحل إلى مكة وأقام بها دون سنة وتوفي فيها بمرض الإسهال بعد تناول عنب. كان قوي البديهة، يسأل عن الشيء من الفنون فيملي على السائل الكراسة والكراستين[1].

    ويُروى في رحلة الشيخ عبد الله العياشي المغربي أن الشيخ عبد العزيز الزمزمي رئيس المؤذنين بمكة أخبره أن الشيخ داود كانت له وجاهة عظيمة عند أمراء مكة. قال وكان يحضر مجالس والدي في التدريس، وكان الوالد يجله وكنت أنا في نفسي أبغضه وأستثقله وأعاتب الوالد على إجلاله إياه وتعظيمه وأقول كيف تجل رجلا فيلسوفا من شأنه كذا وكذا فيقول لي إن الرجل من حكماء الإسلام وله مهارة في العلوم العقلية وعقيدته سليمة وله وجاهة عند الدولة. قال ثم عرض لي عارض مرض ذات يوم واشتد علي ولم أحضر الدرس أياما، فحضر الشيخ داود وسأل الوالد عني فأخبره بحالي. فلما تفرق المجلس قال للوالد اذهب بنا لعيادة ولدك، فدخل علي وأنا في أشد ما يكون المرض فجس يدي ثم قال لوالدي ليس هذا وقت معالجة هذا الولد، ولكن خذ هذا الدواء لشيء استخرجه في جيبه يسقى أو يدهن به يخف عنه ما هو فيه وأنا راجع إليه غدا في الوقت الذي ذكر. واستحضر حجّاما وقال هيئ آلة الفصادة وأراه العرق الذي يفصده ومحل الفصد منه، وقال إذا سمعتني قلت الله رافعا صوتي به فافصد المحل الذي ذكرت لك، وإذا قلته ثانيا فحل رباط العضد وامسك عن إخراج الدم. فهيأ الحجّام الآلة وربط المحل فبقي ينتظر إذن الشيخ والشيخ مطرق رأسه وقال أخرجت لك دما مخصوصا في وقت مخصوص لأمر مخصوص، وذلك أن الأمر المخصوص قرب الثمانين سنة. فوجد الشيخ عبد العزيز الراحة من حينه ولم يعاوده المرض إلى قرب الثمانين كما ذكر رحمه الله[2].

    ويروي المحبّي في كتابه خلاصة الأثر[3] أن شريف مكة الشريف حسن كان يلهج بتذكاره ويستهدي من الحجاج تفاريق أخباره، وهزه الشوق على أن يستقدمه إليه واستحضاره ليجعل السماع عيانا والخبر برهانا. فلما مثل بساحته طامعا في تقبيل راحته، أمر أن يعرض عليه أحد حاضري مجلس أنسه ليختبر بذلك قوة حدسه. فصافحت يده يد ذلك الجليس قال هذه يد دعيّ  خسيس لا يضوع منها أرج النبوة ولا يستنشق عرف الفتوة، ثم أمر بعرضه على القوم واحدا بعد واحد حتى وصل إلى الشريف فقبل يده تقبيل المحب الواجد وأعجب من ذلك. كما يحكى أن الشريف حسن استدعاه لعلاج بعض نسائه، فلما دخل قادته جارية، ولما خرجت به قال للشريف حسن إن الجارية لما دخلت بي كانت بكرا، ولما خرجت بي صارت ثيبا، فسألها الشريف حسن وأعطاها الأمان من المعاقبة فأخبرته أن فلانا استفضّها قسرا، فسأله فاعترف بذلك.

كتاب تذكرة أولي الألباب والجامع للعجب العجاب:


   هو أحد أشهر المؤلفات الطبية والصيدلانية التي ظهرت في القرن الحادي عشر الهجري / السابع عشر الميلادي. واشتهر باسم تذكرة داود نسبة إلى مؤلفه داود بن عمر الأنطاكي. وهو مؤلف كبير يتناول كل أنواع العلاج الطبيعية بالأعشاب الطبية. ويصف داود كتابه هذا وما فيه من ترتيب وما دعاه لكتابته بعد أن بين ما كتبه العلماء من قبله فقال: "لاسيما الشرح الذي وضعته على نظم القانون فقد تكفل بجل هذه الفنون واستقصى المباحث الدقيقة وأحاط بالفروع الأنيقة لم يحتج مالكه إلى كتاب سواه ولم يفتقر معه إلى سفر مطالعه إذا أمعن النظر فيما حواه حتى عن لي أن لا أكتب بعده في هذا الفن مسطورا ولا أدون دفترا ولا منشورا إلى أن انبلج صدري لكتاب غريب مرتب على نمط عجيب لم يسبق إلى مثاله ولم ينسج ناسج على منواله ينتفع به العالم والجاهل ويستفيد منه الغبي والفاضل قد عري عن الغوامض الخفية وأحاط بالعجائب السنية وتزين بالجواهر البهية وجمع كل شاردة وقيد كل آبدة وانفرد بغرابة الترتيب ومحاسن التنقيح والتهذيب لم يكلفني أحد سوى القريحة بجمعه، فهو إن شاء الله خالص لوجهه الكريم مدخر عنده جزيل نفعه".

محتويات الكتاب:

     الكتاب مكون من ثلاثة أجزاء تحتوي هذه الأجزاء على مقدمة وأربعة أبواب وخاتمة.
الجزء الأول: ويخص فيه المؤلف المقدمة بتعداد العلوم المذكورة في الكتاب وحال الطب معها، ومكانته وما ينبغي له ولمتعاطيه وما يتعلق بذلك من الفوائد. ويقسم العلوم والمعارف إلى أقسام ويعرفها ويسميها ويحدد مدلولاتها، ويورد كثيرا من النصائح العامة كالنهي عن تناول الخبز الحار لإحداث العفونة والبخار، أو لطيف فوق كثيف كبطيخ ولحم، وما عهد من جمعه ضرر كسمك ولبن، ثم يتكلم في الباب الأول عن كليات هذا العلم ومداخله. ويفرد الباب الثاني لقوانين الإفراد والتركيب، وأعماله الخاصة، وما ينبغي أن يكون عليه من الخدمة وهو على فصلين: يشتمل الفصل الأول على أحوال المفردات والمركبات وما ينبغي أن يكون عليه من الخدمة مثل السحق والقلي والغلي والجمع والإفراد والمراتب وأوصاف المقطع والملين والمفتح إلى غيرها من المراتب. وهو يذكر أمرين لصناعة الصيدلة وتحضير العقاقير، الأول: الزمان الذ ي يقطع فيه الدواء ويدخر حتى لا يفسد. والثاني: مواطن الأدوية. ويعتبر الباب الثالث من التذكرة أهم أبوابها، فقد تضمن المفردات والأقراباذينيات مرتبة على حروف المعجم، وفيه عدة مئات من أسماء النبات والحيوان والعقاقير المتخذة منها أو من عناصر أو أملاح كيماوية، وبالجملة كل ما يتداوى به من النبات والحيوان والمعادن.
الجزء الثاني: ويبدأ بالباب الرابع وتم تخصيصه بتفصيل أحوال الأمراض الجزئية واستقصاء أسبابها وعلاماتها وضروب معالجتها الخاصة بها، ثم يذكر بعض القواعد ويشير إلى أنها تجرى منه مجرى المقدمة ويسرد عددا من القواعد بلغت نحو عشرين حيث جعلها دستور بحثه في هذا الجزء، ثم يرتب الأمراض على حسب الحروف الهجائية فيتكلم عن الاستسقاء وأنواعه، ويبين أعراض كل نوع ثم عقب بوصف طريقة العلاج في كل حالة، ويبين أن الأكلة من الأمراض الظاهرة وإن كانت باطنة ثم يشرح أسبابها وعلامتها ثم طرق علاجها، ويعدد الأمراض من أمثلة الإعياء، والبخر، والبرص، ويتكلم عن البيطرة والجذام والجرب والجشاء والجبر وداء الحية والثعلب وداء الفيل والداحس وهو ورم الأظفار والدمامل ودمعة العين والديدان والزكام وغيرها من أمراض الكلى والمثانة.
الجزء الثالث: وهو في موضوعات شتى، ويورد في عنوانه تذييلا لبعض تلاميذ الشيخ داود، ثم يتكلم فيه عن اليرقان واليقظة والكابوس والكمتة ، ثم أمراض الكلى وأمراض اللسان واللثة والمفاصل والنسا والمعدة والمعى والمغص وأمراض المثانة والمالخوليا والنبض والناسور والنفاطات . كما يتحدث عن الربو والنزق والسكة والسلان والسعفة والسرطان والسيلان، ويخص أحد فصول هذا الجزء بعلم التشريح وأمراض العين والصفراء، والسلع والسنط والقوابي والقراع والقلاع والقيء والتشنج والرعشة والكزاز والخدر والاختلاج والنزلات وأم الصبيان، والخفقان وذات الرئة وذات الجنب والظليعة، والغثيان.
      أخيرا يسرد الكتاب عددا من الوصفات العامة والخاصة فيذكر عددا كبيرا من أنواع السفوف والترياق والسعوط والمراهم والمعاجين والدهانات والأكحال واللعوقات والأشربة، ويتكلم عن أنواع الطبيخ ويفرق بينها وبين الأشربة ويحدد طريقة صناعة كل طبيخ وما يستعمل له من الأمراض، وكذلك يتكلم عن الأطيان وخواصها الطبية ومنافعها واستعمالاتها، ثم يعرض للأطيان المركبة. كما يحتوى كتاب التذكرة على بعض الأمور غير المتعلقة بالطب في شيء ففيه كلام عن منازل الكواكب والبروج والرقى والتعاويذ والفوائد والأدعية، وكلام في الفلك والجغرافيا على عادة الكتاب المتقدمين.

النسخ المطبوعة:

طبع الكتاب عدة طبعات، جميعها في القاهرة  كانت أقدمها نسخة مطبعة عبد الرازق 1254هـ / 1838 م. وهي في جزئين، ثم طبعة بولاق عام 1282هـ / 1865 م. في 4 أجزاء، ونسخة مطبعة محمد مصطفى عام 1302هـ / 1884 م. في 3 أجزاء، ونسخة المطبعة الشرفية عام 1317هـ / 1899 م. في جزئين، ونسخة المطبعة الحسينية المصرية عام 1344هـ / 1926 م. في 3 أجزاء، ونسخة المطبعة الأزهرية عام 1348 هـ / 1930 هـ. في جزئين، ونسخة المطبعة العثمانية المصرية عام 1356هـ / 1937 م  في 3 أجزاء، وأخيرا نسخة مطبعة مصطفى البابي الحلبي عام 1371هـ / 1952 م في جزئين. وقد قامت دار الفكر في بيروت عام 1996 بطباعة ونشر الكتاب في جزئين.

 

تجبير الكسور عند داود الأنطاكي:

      قبل أن نلقي الضوء على موضوع تجبير الكسور عند الأنطاكي، لا بد لنا من أن نلقي الضوء على كيفية تجبير الكسور عند الشعوب القديمة، ثم تجبير الكسور عند العرب.

أولا- تجبير الكسور عند الشعوب القديمة:

يعتبر طب الكسور أحد أهم فروع علم الطب بشكل عام، وهو طب قديم قدم الإنسان على سطح الأرض. وقد بدأ الإنسان العاقل يمارس هذا الطب منذ أن أصيب بكسر في أحد أعضائه، وقد بذل المحاولات الكثيرة والبسيطة البدائية للتخلص من آلامه وجبر كسوره والشفاء من إصاباته. ولقد اهتدى منذ القديم، للتخفبف من آلام الكسور، أن يثبت الأعضاء المصابة بأغصان الأشجار وأليافها، ثم تعلم شيئاً فشيئاً ردّ الخلوع وجبر الكسور… وهكذا تطور علم الكسور حتى وصل إلى الشكل الذي نشهده اليوم.

إن أول من كتب في طب الكسور ليعلمه لمن يأتي من بعده هو أبقراط، فقد أورد ابن أبي أصبيعة، في كتابه عيون الأنباء في طيقات الأطباء، أسماء عدة مؤلفات كتبها أبقراط ونسبت إليه(1)، منها كتاب الكسر والجبر(2): وهو ثلاث مقالات، تحدّث فيها عن كيفية حدوث الكسر وكيفية معالجته، كما ألف كتاباً آخر، وهو كتاب ردّ الخلع.

ثم أتى من بعده جالينوس وقام بتفسير وشرح عدة مؤلفات لأبقراط منها كتاب الكسر والجبر، وكتاب ردّ الخلع، كما ألّف كتاباً مشهوراً في الصناعة (أو الجراحة) الصغرى.

ثانيا: تجبير الكسور عند الأطباء العرب المسلمين:

من الثابت أنّ الغالبية العظمى من الأطباء العرب المسلمين قد كتبوا في طب الكسور أو مارسوه بالفعل، وذلك عن طريق مؤلفاتهم التي وصلتنا. غير أنّ أكثر مؤلفاتهم - وللأسف الشديد - قد فقدت ولم نعلم عنها أي شيء إلاّ من خلال كتب التراجم التي ذكرتْها ككتاب عيون الأنباء في طبقات الأطباء وكتاب إخبار العلماء بأخبار الحكماء وغيرها من كتب التراجم. ومن الثابت أيضاً أنّ الأطباء العرب قد تلقوا مصادر مؤلفاتهم ما ترجم عن الكتب اليونانية أو الفارسية أو الهندية بالإضافة إلى خبراتهم الشخصية والتي اكتسبوها من خلال ممارستهم الطب لا سيما بعد انتشار البيمارستانات في البلاد الإسلامية انتشاراً واسعاً. ولم تكن مهمة البيمارستانات قاصرة على تقديم الخدمات الصحية للمرضى فحسب، بل كانت في نفس الوقت معاهد علمية ومدارس لتعليم الطب، يتخرج منها الأطباء والجراحون. كما كانت تضم مكتبات حافلة بأمهات المؤلفات لتكون مرجعاً للأساتذة والطلاب. وليس أدلّ على ذلك من قول ابن أبي أصيبعة وهو أحد تلامذة البيمارستان النوري في دمشق: "كنت بعدما يفرغ الحكيم مهذب الدين والحكيم عمران من معالجة المرضى المقيمين بالبيمارستان وأنا معهم أجلس مع الشيخ رضي الدين الرحبي فأعاين كيفية استدلاله على الأمراض، وجملة ما يصفه للمرضى وما يكتب لهم، وأبحث معه في كثير من الأمراض ومداواتها"(1).

من ذلك نلاحظ أنّ هذه البيمارستانات هي أقرب ما تكون اليوم إلى المشافي الجامعية التعليمية، تقام فيها الدروس النظرية والتطبيقية (السريرية) وعلى المرضى مباشرة. ومن ذلك نستدل أنّ الأطباء العرب لم يلعبوا فقط الدور المترجم والناقل لعلوم الأقدمين بل هم فعلوا ذلك وأضافوا ما أظهرته لهم خبراتهم وتجاربهم الخاصة في هذا الحقل أو ذاك. وسنستعرض الأمثلة العديدة عن ذلك من خلال فصل لاحق يبيّن مدى إسهامات الأطباء العرب في مجال طب الكسور.

عندما أتى الأطباء العرب نهلوا من علوم الأمم التي سبقتهم، فاستفادوا مما ألّفه الأطباء اليونانيون والهنود الفرس، وترجموا كثيراً من مؤلفاتهم إلى العربية، وانتقدوا بعض هذه المؤلفات وشرحوا كثيراً منها، وألّفوا كثيراً من كتب الطب التي تتصف بالموسوعية، فكانت تلك الكتب خلاصة ما توصلت إليه الأمم التي سبقتهم في علم الطب، بالإضافة إلى ما توصلوا إليه نتيجة خبراتهم الشخصية في ميدان
الطب وممارسته.

لقد اهتم الأطباء العرب بجبر الكسور اهتماماً بليغاً، ولقد لمع منهم أبو بكر الرازي الذي ألّف في فروع الطب جميعها، ومن جملتها الكسور والخلوع. ألّف الرازي كتاباً في الجبر وكيف يسكن ألمه، وما علاقة الحرّ فيه والبرد. وكتب كتاباً آخر في العمل بالحديد والجبر، وقد ذكر في كتاب الجامع أو الحاضر (صناعة الطب)، وفي قسمه الأول، كلاماً في حفظ الصحة وعلاج الأمراض والوثي والجبر والعلاجات. كما أنه أورد في المقالة السابعة من كتابه (المنصوري) جملاً وجوامع في صناعة الجبر والجراحات والقروح. كما ألّف كتاباً في علل المفاصل والنقرس وعرق النّسا. إلا أن أكثر ما تحدث الرازي في مجال الكسور والخلوع هو ما ورد في كتابه الطبي الشامل والذي سماه الحاوي.

ثم أتى من بعده ابن سينا وهو العالم الموسوعي الذي اهتم بصناعة الطب، وألّف كتابه (القانون في الطب) الذي ظلّ يدرّس في جامعات أوروبا حتى القرون المتأخرة من العصر الوسيط. ولقد خصص ابن سينا في الكتاب الرابع من كتابه هذا مقالتين للكلام عن الكسور، الأولى بعنوان في كلام كلّي عن الكسور، والمقالة الثانية تكلّم فيها عن كسر كلّ عضو على حده. ومما يلفت النظر أنّ منهج ابن سينا في كلامه عن الجبر والكسر يشبه إلى حد كبير المنهج المتبع حالياً في المؤلفات العلمية الحديثة، حيث يلاحظ أنّ ابن سينا في المقالة التي هي في أصول كلمة الكسر تكلم فيها كلاماً عاماً عن الكسور وما يتعلق بشفائها ومعالجتها بشكل عام. ثم تطرق في المقالة التي تليها إلى الحديث عن كسر كل عضو وما يتميّز به من ميّزات، وهو نفس المنهج المتبع حالياً في الكتب الحديثة التي تبحث في علم الكسور، حيث يتحدث المؤلفون في البداية عن طب الكسور ككل يشمل أسباب وأعراض وعلامات وطرق معالجة الكسور بشكل عام، ثم ينتقلون للحديث عن كسر كل عضو بشكل مستقل عن الآخر.

لقد لمع الزهراوي كأول طبيب عربي جرّاح مارس الجراحة، وهذا ما ظهر واضحاً وجليّاً في مؤلفه الذي سمّاه "التصريف لمن عجز عن التأليف" وخاصة في المقالة الثلاثين منه، حيث تكلم كلاماً مستفيضاً عن الجراحة والآلات الجراحية وعن الكسور وطرق تجبيرها.

بالإضافة إلى ما ذكرناه من الأطباء العرب الأوائل فقد عرف آخرون ممن ألّفوا ومارسوا طب الكسور. ولعلّ ما ساعد الأطباء العرب في علاجهم الكسور هو توسعهم في معرفة تشريح جسم الإنسان، فلقد دلّت المخطوطات الطبية التي بين أيدينا أنّ الأطباء العرب قد مارسوا التشريح على جثث الموتى ولو سرا، وليس أدلّ على ذلك من نقد الطبيب العربي عد اللطيف البغدادي لبعض نظريات جالينوس التي سادت في عهده في علم التشريح والتي كانت تعتبر حتى ذلك العصر كحقائق علمية مسلّم بها، فصححها بعد قيامه بالتعرّف على جسم الإنسان عن طريق فحصه لهياكل الجسم البشري.

تجبير الكسور عند داود الأنطاكي:

    تحدث الشيخ داود الأنطاكي في كتابه التذكرة عن تجبير الكسور؛ حيث خصص فصلا خاصا للحديث عن ذلك. فقد ابتدأ بتعريف الجبر قائلا: "حقيقته رد العضو إلى الحالة الطبيعية عند عروض ما يخرجه عنها. كثيرا ما تطلقه العامة على كسر العظام خاصة"[4]. ثم يفرق بين الكسر والرض، حيث يعتبر الرض أنه فساد ما فوق العظم من عصب وغيره ولو غشاء. بعد ذلك يتعرض الأنطاكي بالحديث عن تعريف الكسر قائلا: "الكسر عبارة عن انفصال أجزاء العظم أو العظام بحيث يصير الجزء الواحد بعد شكله الطبيعي جزأين فصاعدا. وكلّ إما صغار أو كبار، وكلّ إما مع شظايا أو لا، وكلّ إما بحيث لو ألقيت لانتظمت طبيعية أو لا. فهذا ما يمكن تقسيمه هنا"