تشريح وفيزيولوجيا عظام الإنسان في التراث الطبي العربي

Human Bone Anatomy & Physiology in Arabic Medical Heritage

 

د. عبد الناصر كعدان*

ملخص البحث

    يعتقد بعض الباحثين في مجال التراث الطبي العربي، وخاصة المستشرقين منهم، بأنّ العرب لم يساهموا في علم التشريح والفزيولوجيا لجسم الإنسان، وذلك لأنّ الشريعة الإسلامية كانت تحرّم تشريح جثث الموتى، وإنّ معلوماتهم التشريحية والفيزيولوجية مستقاة  فقط من تعاليم جالينوس ومن تشريح الحيوانات. لكن من يتعمق في دراسة بعض الكتب والمخطوطات العربية يلاحظ ومن خلال وصفهم التشريحي والوظيفي الدقيق لبعض أعضاء جسم الإنسان أنه لا يمكن لهذا الوصف أن يتأتى من ترجمة النصوص اليونانية فقط، بل لا بد أنهم قد مارسوا التشريح أو فحصوا الجثث والهياكل البشرية بطريقة أو بأخرى. بالإضافة لذلك فإن لهم الفضل في إنقاذ الكثير من المخطوطات والكتب اليونانية من الضياع، وذلك عن طريق ترجمتها للعربية، والتي بدورها ترجمت إلى اللاتينية في بدايات عصر النهضة الأوربية.

    هدف هذا البحث هو التعرض للوصف التشريحي والوظيفي الدقيق لعظام جسم الإنسان كما ذكرت في أهم كتب التراث الطبي العربي.

 

 

مقدمة:

    إن من يتعمق في دراسة المخطوطات الطبية العربية يلاحظ أن العرب قد ساهموا في تقدم المعارف في التشريح بطرق مختلفة. فقد صنفوا ورتبوا تآليف جالينوس بطريقة منطقية واضحة وجعلوا تفهمها سهلاً. فقد جمع ابن سينا في كتابه القانون في الطب كل ما كتبه جالينوس عن التشريح في تآليف عديدة متفرقة وجعلها قريبة للإفهام. ثم علّق ابن النفيس في كتابه "شرح تشريح القانون" على مؤلف ابن سينا وصحح أخطاءه وأخطاء جالينوس من قبله في التشريح وانتقدهما. ويجب أن لا ننسى أنّ العرب قد أنقذوا تآليف جالينوس من الضياع بتعريبهم لها لأنّ النسخ اليونانية القديمة الأصلية قد فقدت جميعها ولم يبق سوى النسخ العربية. ونضيف إلى ذلك أنّ الأطباء العرب لم يتبعوا تعاليم غيرهم إتباعاً أعمى، بل فحصوها فحصاً دقيقاً وأوضحوها وأضافوا إليها كما يستدل من تآليف ابن النفيس والبغدادي، بل إن بعضهم قد انتقدها[1].

    لعلّه من الثابت أنّ الأطباء العرب قد توسعوا في تشريح الحيوانات ودرسوا بعض الأعضاء كالقلب والعينين والكبد دراسة دقيقة. وكان ابن النفيس ينصح بدرس التشريح المقارن لفهم التشريح البشري. ويوحنا بن ماسويه شرّح قرداً كبيراً وكتب عما رآه. كما أنّ الزهراوي ألحّ بدرس التشريح لأنه ضروري للجراحة. والرازي كان أول من وصف الفرع الحنجري للعصب الحنجري العائد وقال عنه إنّه قد يكون مزدوجاً من الجهة اليمنى أحياناً[2].

    لقد وصف ابن سينا عضلات العين وصفاً تشريحياً دقيقاً حين قال "وأما العضل المحرك للمقلة فهي عضل ست، أربع منها في جوانبها الأربع فوق وأسفل والمأقيين. كل واحد منها يحرك العين إلى جهته، وعضلتان إلى التوريب ما هما يحركان إلى الاستدارة. ووراء المقلة عضلة تدغم العصبة المجوفة التي يذكر شأنها بعد تشبثها بها وما معها فيثقلها ويمنعها الاسترخاء المجحظ عند التحديق. وهذه العضلة قد عرض لأغشيتها الرباطية من التشعب ما شكك في أمرها. فهي عند بعض المشرحين عضلة واحدة وعند بعضهم عضلتان وعند بعضهم ثلاث. وعلى كل حال فرأسها رأس واحد[3]". وقال اسحق بن حنين أنّ العضلة الثلاثية الحلقية الموجودة في مؤخر عين الحيوانات لا توجد عند البشر. وهذا يدل على دقة الأطباء العرب في تشريح العين وبعض الأعضاء الأخرى عند الحيوانات. ويقول بورتال إنّ أطباء اليونان لم يشيروا إلى ذلك.

        وكان ابن النفيس "في كتابه شرح تشريح القانون" يوصي بدرس التشريح المقارن ويشير في مقدمته إلى المصادر التي أخذ عنها. يقول في مقدمة كتابه: "إنّ قصدنا الآن إيراد ما تيسّر لنا من المباحث على كلام الشيخ الرئيس أبي علي بن عبد الله بن سينا في التشريح من جملة كتاب القانون وذلك بأن جمعنا ما قاله في الكتاب الأول من كتب القانون إلى ما قاله في الكتاب الثالث من هذه الكتب وذلك ليكون الكلام في التشريح جميعه منظوماً. وقد صدّنا عن مباشرة التشريح وازع الشريعة وما في أخلاقنا من الرحمة… فلذلك رأينا أن نعتمد في تعرّف صور الأعضاء الباطنة على كلام من تقدمنا من المباشرين لهذا الأمر خاصة الفاضل جالينوس إذ كانت كتبه أجود الكتب التي وصلت إلينا في هذا الفن مع أنه اطلع على كثير من العضلات التي لم يسبق إلى مشاهدتها… فلذلك جعلنا أكثر اعتمادنا في تعرّف صور الأعضاء وأوضاعها ونحو ذلك على قوله إلاّ في أشياء يسيرة ظنّاً أنّها من أغاليط النساخ أو أنّ إخباره عنها لم يكن من بعد تحقق المشاهدة فيها. وأما منافع الأعضاء فإنما يعتمد في تعريفها على ما يقتضيه النظر المحقق والبحث المستقيم ولا علينا وافق ذلك الرأي من تقدمنا أو خالفه. ثم رأينا أن نبتدي قبل الكلام في التشريح بتحرير مقدمة تعين على إتقان العلم بهذا الفن. وهذه المقدمة تشمل خمسة مباحث…"[4].

    ولعلّ أفضل من درس التشريح بل وانتقد من سبقه في هذا الفن هو موفق الدين عبد اللطيف البغدادي في كتابه الذي سمّاه "كتاب الإفادة والاعتبار في الأمور المشاهدة والحوادث المعاينة بأرض مصر". وفي هذا الكتاب يصف البغدادي زيارته إلى تل حيث كان يوجد مقدار كبير من الهياكل البشرية. وبعد أن فحص المئات منها كتب يقول: "ومن عجيب ما شاهدنا أنّ جماعة ممن ينتابني في الطب وصلوا إلى كتاب التشريح فكان يعسر إفهامهم وفهمهم لقصور القول عن العيان. فأخبرنا أنّ بالمغنس تلاًّ عليه رمم كثيرة فخرجنا إليه فرأينا تلاً من رمم له مسافة طويلة يكاد يكون ترابه أقل من الموتى به. تحدث ما يظهر منهم للعيان بعشرين ألفاً فصاعداً، وهم على طبقات من قرب العهد وبعده. فشاهدنا من شكل العظام ومفاصلها وكيفية إيصالها وتناسبها وأوضاعها ما أخذنا علماً لا نستفيده من الكتب إما أنها سكتت عنها أو لا يفي لفظها بالدلالة عليه أو يكون ما شاهدناه مخالفاً لما قيل فيها، والحس أقوى دليلاً من السمع، فإنّ جالينوس وإن كان في الدرجة العليا من التحري والتحفظ فيما يباشره ويحكيه فإنّ الحس أصدق منه. ثم بعد ذلك يتخيّل لقوله مخرجاً إن أمكن فمن ذلك عظم الفك الأسفل فإنّ الكل قد أطبقوا على أنه عظمان بمفصل وثيق عند الحنك وقولنا الكل نعني به هاهنا جالينوس وحده فإنه هو باشر التشريح بنفسه وجعله دأبه ونصب عينيه وصنف فيه عدة كتب معظمها موجود لدينا والباقي لم يخرج إلى لسان العرب. والذي شاهدناه من حال هذا العضو أنّه عظم ليس فيه مفصل ولا درز أصلاً واعتبرناه ما شاء الله من المرات في أشخاص كثيرة تزيد عن ألفي جمجمة بأصناف من الاعتبارات فلم نجده إلاّ عظماً واحداً من كل وجه. ثم إننا استعنا بجماعة مفترقة اعتبروه بحضرتنا وفي غيبتنا فلم يزيدوا على ما شاهدناه منه وحكيناه. وكذلك في أشياء أخرى غير هذه ولئن مكنتنا المقادير بالمساعدة وضعنا مقالة في ذلك نحكي بها ما شاهدناه وما علمناه من كتب جالينوس. ثم إني اعتبرت العظم أيضاً بمدافن بوصير القديمة المقدم ذكرها فوجدته على ما حكيت ليس فيه مفصل ولا درز. ومن شأن الدروز الخفية والمفاصل الوثيقة إذا تقادم عليها الزمان أن تظهر وتتفرق، وهذا الفك الأسفل لا يوجد في جميع أحواله إلاّ قطعة واحدة"[5].

    إننا لو توسعنا ودققنا في مخطوطات الطب العربي لعثرنا على الأرجح على اكتشافات أخرى لهم في التشريح ومنافع الأعضاء. ولا ننسى أن الأطباء العرب ما كانوا يجرؤون على التصريح بأنهم قاموا بعمليات التشريح لأنّ الشريعة الإسلامية كغيرها من الشرائع الأخرى قبلها كانت تحرم التشريح. وبالرغم من ذلك فإنّ ابن رشد الطبيب الأندلسي والفيلسوف العربي يقول: "إن معرفة الأعضاء بالتسليخ تقرّب من الله". ونرى في كثير من الأحيان جملاً في الكتابات العربية الطبية كهذه: "إنّ التشريح يكذب ما ذكر" أو "إنّ التشريح يبرهن كذا وكذا" مما يدل على أنهم قد شرّحوا بعض الجثث ولكن لم يتمكنوا على الأغلب من المجاهرة به.

    بعد هذه المقدمة الوجيزة التي توحي بأنّ بعض الأطباء العرب قد شرّحوا بعض الحيوانات أو أعضاءها أو قد عاينوا بعض الجثث البشرية والتعرّف عليها ننتقل للتعرّف على تشريح العظام ووظيفته وذلك حسب المعلومات التي كانت سائدة خلال تلك الفترة عن تشريح جسم الإنسان.

تشــــريح وفيزيولوجيا العظــــام:[6]

    تعتبر العظام أساس البدن ودعائمه، وبها قوامه واستقلاله وثباته. وهي مختلفة الأشكال والأوضاع، فمنها الطويل والقصير والغليظ والدقيق والعريض والضيّق العرض والثخين والرقيق والصغير والكبير والمصمت والمجوف والسخيف والكثيف. وهي متصلة بعضها ببعض اتصالات عجيبة، فهي للاتصال كعظم واحد وللانفصال عظام كثيرة، فيتهيأ بذلك للإنسان ضروب الحركات الكلية والجزئية. وجملة ما في البدن منها مئتان وثمانية وأربعون عظماً[7].

    أما عظام الرأس، فعظما اليافوخ، وعظم الجبهة، وعظم مؤخرة الرأس والعظمان الحجريان اللذان في جانبي الرأس يمنة ويسرة، وأربعة عظام الزوج، على كل صدغ اثنان، والعظم الوتدي الذي هو قاعدة عظام القحف، وستة عظام للعينين في كل عين ثلاثة، وعظما الوجنتين، وعظما الأنف، وعظما قاعدة الأنف، وعظمان موضوعان فوق منابت الأسنان، وعظما الفك السفلي.

    والأسنان اثنا وثلاثون سناً، ستة عشر في كل فك، ثنيتان ورباعيتان ونابان وعشرة أضراس في كل جانب خمسة. فجملة عظام الرأس تسعة وخمسون عظماً، سوى العظم المعروف باللامي عند الحنجرة فإنه بالغضاريف أشبه.

    وأما عظام الصلب مع العنق فثلاثون [8]عظماً تسمى الفقرات وهي خرز منضدة بعضها إلى بعض بزوائد ونقر فتلتئم بذلك مفاصلها وتصير كعظم واحد. فيها ثقب نافذة في جميعها يجري فيها النخاع، وثقب عن جوانبها يمنة ويسرة تدخل فيها أوردة وشرايين وتخرج منها أعصاب، والسفلى منها أعظم والعليا أصغر، سبعة منها للعنق، واثنا عشر للصدر، وخمسة للقطن، وثلاثة للعجز وثلاثة للعصعص.

    فأما الأضلاع فهي أربعة وعشرون ضلعاً، أربعة عشر منها يسمى أضلاع الصدر في كل جانب، منها سبعة مقفولة بعضها إلى بعض مع سبعة عظام أخر متصلة بعضها ببعض بغضاريف من قدام تسمى عظام القص، وسبعة فقرات من فقار الظهر ويطيف بها من فوق عظما الترقوتين وتحتها عشرة أضلاع أخر في كل جانب خمسة تتصل بفقار الظهر، وأطرافها الأخر مطلقة عليها غضاريف لينة تتصل بالمراق.

    وأما عظام اليدين فتتألف من عظمي الكتفين وعظمي العضدين وأربعة عظام الساعدين وستة عشرة عظماً للرسغين في كل يد ثمانية، وثمانية عظام المشطين في كل جانب أربعة غير العظم المتصل بالإبهام، وثمانية وعشرون عظماً في الأصابع تسمى السلاميات في كل يد أربعة عشر سلامية (وتعد ثلاثون إذا كان المشط أربعة بإضافة عظم الإبهام الذي يعد في المشط إليها).

    وأما عظم العانة فهو مؤلف من عظمين وكل عظم منها مؤلف من أربعة عظام يسمى الوحشي من هذه الأربعة عظم الخاصرة، والقدامي عظم العانة، والخلفي عظم الورك، والسفلي عظم حق الفخذ، كذلك من الجانبين.

    وأما عظام الرجلين فتتكون من عظمي الفخذين، وأربعة عظام الساقين، وعظمان مدوران موضوعان على المفصلين اللذين فيما بين الفخذين، وعظام الساقين يسميان الرضفتين وهما عينا الركبة، وعظما الكعبين اللذين فيما القصبتين، وثمانية عظام الرسغين واحد منهما وهو الوحشي يسمى النردي وثلاثة عظام في كل رسغ وعشرة عظام المشطين، ثم عظما القصبين، والعظمين الزورقيين اللذين بهما تقعير أخمص القدمين، ثم أصابع الرجلين ثمانية وعشرون عظماً في كل إصبع ثلاث سلاميات، سوى الإبهام، فإنهما من عظمين كما كان في الكفين بهذه هي جملة عظام البدن.

    أما الغضاريف فهي أجسام صلبة أقل من صلابة العظم تقبل الانعطاف، خلقت على أطراف العظام ليحسن بجوارها الأعضاء اللينة، فلا يتأذى اللين بالصلب وخصوصاً عند ضربة أو ضغطة، كما في أطراف أضلاع الخلف وعظم الكتف، وكالغضروف الخنجري الموضوع تحت القص، وأيضاً لتكون عمداً ودعائم لاستناد بعض الأعضاء إليها مستعيناً بها على فعله كغضاريف الأجفان بعضلها وكما في الحنجرة.

    وأما الرباطات فهي أجسام بيض صلبة عصبانية المرأى. تنشأ من أطراف العظام، ومنها ما يمتد نحو العضل المحرك للعضو فيعينه على تحريكه، ومنها ما يصل بين طرفي عظمي المفصل أو بين أعضاء أخر، ويحكم شد بعضها إلى بعض. وهذه الرباطات لا حسّ لها لأنّها تنشأ من العظام والعظام لا حسّ لها، وذلك لئلا يتأذّى بكثرة الحركة والحك في المفاصل.

تشريح عظام القحف:

    القحف مخلوق عدة عظام هي أجزاء كالبيت لما يحويه من الدماغ مشكل بالشكل الموافق لما احتيج إليه، جعل مستدير الشكل إلى الاستطالة لأنّ الشكل المستدير أبعد الأشكال عن قبول الآفات، خاصة عند المصادمات، وخلق ذا أجزاء حتى إذا حدث بجزء حادثة لم تعمّ، وجعلت العظام مختلفة الجواهر لأجل الحاجة إلى ذلك.

    أما مقدم الدماغ فأرق عظماً من مؤخره لأنه بإزاء حاسة البصر فتحرسه ومجانساً لما يحويه من لطيف المخ الذي هو البطن الأول من بطون الدماغ الذي ينشأ منه أعصاب الحس اللينة، وخلق عظام سقفه خفيفاً لأنه محمول على جدرانه، وليكون لخفته وسخافة جوهره طريقاً لما يتصاعد إليه من الأبخرة، ومؤخره صلباً لغيبته عن حاسة البصر ومجانساً لما يحويه من كثيف المخ الذي هو البطن المؤخر من بطون الدماغ الذي هو منشأ لأعصاب الحركة، ومتدرجاً إلى صلابة النخاع.

    وفي القحف ثقوب كثيرة تخرج منها أعصاب وتدخلها أوردة وشريانات، وجعل بين هذه القطع دروز على شبه ما يركب الصفّارون أقطاع النحاس وأجزاؤها كأسنان المنشار يدخل بعضها في بعض وينفذ فيها أجزاء الغشاء الباطن متعلقة بأجزاء الغشاء الظاهر يرتفع به عن جوهر الدماغ.

    وللقحف دروز خمسة، واحد في مقدمه ويسمى الإكليلي، وواحد في مؤخره يسمى اللامي، ودرز يصل بينهما ويسمى السهمي ماراً وسط أعلى الرأس من مؤخره إلى مقدمه. وهناك درزين جانبيين واحد يمنة والآخرة يسرة يسميان الكاذبين والقشريين لأنهما لا يغوصان في العظام تمام الغوص، وقد يتصلا بالدرزين الآخرين. وهذه الدروز المحيطة بالجدران تتصل حتى تصير كبيت لما يحويه قاعدته العظم المسمى الوتدي وهو صلب خلق كذلك للإعانة على ما يحمل ولئلا تعفنه الرطوبات السائلة على الدوام. ويحده من الأمام عظم الجبهة ومن الخلف القفا ومن الجانبين العظمان الطويلان اللذان يسميان المحجرين لصلابتهما، وهما اللذان فيهما خروق الأذنين، وخلق على جانب كل واحد من هذين العظمين مما يلي الصدغين منهما عظمان صلبان صغيران يستران عصبة هناك ويسميان عظام الزوج، وفي مؤخره الثقب العظيم الذي يخرج منه النخاع.

    ويذكر المشرحون العرب أن أشكال الرأس أربعة، واحد على هذا الشكل وهو الطبيعي المستدير إلى الاستطالة وفيه لطأ من الجانبين، يوجد فيه هذه الدروز المذكورة، وثلاثة أشكال خارجة عن الطبع، وهو أن يفقد هذا الشكل الدرز الإكليلي فيعدم النتوء المقدم، أو الدرز اللامي فيعدم النتوء المتأخر. أو يفقدهما فيكون مستديراً، وتكون دروزه متقاطعة في الوسط ولا يحتمل أن يكون الطول أنقص من العرض من أجل أنّ أوضاع بطون الدماغ فيه طولاً فيفقد منها بطناً ولا يعيش معه الإنسان.

تشريح عظام الوجه:

    أما عظام الوجه بعد الجبهة فعظام اللحى الأعلى[9]وهو مركب من عدة عظام مختلفة الأشكال والأوضاع وهي أربعة عشر عظماً تحدد وتعرف بذكر دروزها. ويحد عظم اللحى من فوق الدرز المار عرض الوجه تحت الحاجب من الصدغ إلى الصدغ مشتركاً بين اللحى الأعلى وعظم الجبهة ومن تحت منابت الأسنان، ومن الجانبين درزان من كل جانب درز يمر من الأذن إلى ناحية الأسنان مشتركاً بينه وبين العظم الوتدي، وأما دروزه الداخلة في حدوده فدرز يبتدئ من وسط الدرز الفاصل بين اللحى والجبهة ويمر آخذاً نحو سكرجة العين، فإذا توسطها مما يلي أعلاه انقسم ثلاثة أقسام، قسم آخذ إلى طرف الحاجب يغرز عظماً هو أعلاها وأكبرها، والثاني يغرز عظماً يليه في العظم، وهو أيضاً فوق نقرة العين، والثالث يمر في نقرة العين، فيكون تحت كل عين ثلاثة عظام، ودرز يبتدئ من الحد المشترك بين اللحى ودرز الجبهة فيما بين الحاجبين ويمر حتى ينتهي قريباً من منابت الأسنان، ودرزان آخران عن جانبيه يأخذان من ضيق إلى سعة حتى يفرز عظمين مثلثين هما قاعدتا الأنف، وفيهما ثقبا الأنف الذي يفضي كل واحد منهما إلى فوق إلى القحف عند انتهاء المشاش وإلى تحت نحو الحنك، وعلى هذين الدرزين يتركب عظما الأنف، ثم إنّ الدرز يمتد إلى ما بين الثنيتين، والدرزان اللذان عن جانبيه يأخذان إلى الالتقاء حتى ينتهيا إليه فيحدث عظمان آخران مثلثان ينتهي طرفاهما إلى الأسنان فيما بين الثنايا والرباعيات، ويتحدد عن جانبي هذين الدرزين عظما الوجنتين، وهما عظمان صلبان فيهما تقعير من داخل الوجه وتقبيب في الظاهر.

    أما اللحى الأسفل فهو مركب من عظمين كبيرين[10] يتلقيان بدرز موثق عند الحنك وبهما زائدتان معروفتان يتعلقان كالكلابين في زائدة من اللحى الأعلى في الموضع المتصل بالوتدي تحت عظام الزوج يتصل بكل واحد منهما وترة من عضل المضغ للإطباق.

    والحكمة بالغة ما خص اللحى الأسفل بالحركة في المضغ والكلام، وصان الخالق الفك الأعلى عن الحركة لشرفه ولكثرة ما فيه من قطاع العظام المتجاورة وعليها أعضاء شريفة كالعين والأنف.

    أما الأسنان فهي مركبة من اللحى الأعلى واللحى الأسفل وهي الثنايا والرباعيات والأنياب والأضراس، وهي على الأكثر اثنان وثلاثون سناً، ستة عشر في كل جانب ثنيتان ورباعيتان ونابان وخمسة أضراس في كل جانب خلقت مصمتة صلبة قوية، وفي تراكيبها من الحكمة البالغة ما يتبيّن أنها بقصد حكيم عالم وذلك أنها منضدة تر ى ملتصقة أو متوازية الأوضاع، وإذا أراد الإنسان أن يقطع بثناياه شيئاً وقعت الثنايا على الثنايا وقوعاً محكماً، ولم تقع الأسنان على الأسنان والأضراس على الأضراس كذلك وقوعاً محكماً وكذلك عند القطع والكسر تقع الأنياب ولا تقع البواقي وقوعاً محكماً، وعند المضغ والطحن تقع الأضراس بعضها على بعض ولا تقع البواقي.

    ولكل سن زائدة عظمية مستديرة تحيط به وتربطه في مركزه ولكل سن رأس يرتكز به في الفك تكون زائدته واصلة. وكذلك الأضراس فالسفلى منها لها زائدتان ترتكز بهما، وربما كانت للنواجذ ثلاثة، أما التي في الفك الأعلى فلكل ضرس ثلاثة، وربما كان للنواجذ أربعة. وليس لشيء من العظام حسّ إلاّ للأسنان فإنه يقول إنما يحس بذلك جوهر العصب المتصل بأصول الأسنان وكذلك ألمها الحادث فيها إنما يحس به العصب.

تشريح الفقرات:

    إنّ عدد خرز العنق والظهر ثلاثون خرزة، سبعة للعنق، وعشر للصدر، وخمسة للقطن، وثلاثة للعجز، وثلاثة للعصعص. وخلقت كذلك أجزاء لئلا يكون الظهر قطعة واحدة لا يتهيأ فيها حركة الانعطاف والانثناء، ولم يجعل أكثر من ذلك لئلا يكون الظهر سلساً واهياً. وجعل لكل خرزة منها زوائد شاخصة تتهندم في نقر تلتقمها من الخرزة الأخرى تلتئم فيما بينهما مفاصل معتدلة في السلاسة والوثاقة لما أريد من حركاتها.

    ولكل فقرة إحدى عشر زائدة ما عدا الأولى من العنقيات وفيها ما هو أنقص سنسنة ويسمى الشوكة، وجناحان[11] وأربع زوائد منفصلة شاخصة إلى فوق، وأربعة شاخصة إلى أسفل أو دون ذلك، وكل جناح ذو شعبتين، إلاّ أنّ زوائد المفاصل الشاخصة التي فيها نقر الالتقام تكون إلى جهة فوق من العاشرة الصدريات، وما دونها إلى آخر الظهر تكون الزوائد الداخلة في النقر من الخرز هي العالية وتاخذ سناسنها في التحديب إلى حيث الخرزة العاشرة من الصدريات وهذه الخرزة كل زوائدها الشاخصة الفوقانية والتحتانية إنما فيها نقر الالتقام بحيث إذا كان للظهر حركة الانحناء والانعطاف إلى قدام كانت هذه الخرزة في وسط النقرتين أو قريباً منه وسنسنتها قائمة مقببة. والخرز جميعه إذا اعتبرته من تحت وجدت خرزه أكبر والثقب الذي يجري فيه النخاع أضيق، وإذا اعتبرته من فوق وجدت خرزه أصغر وثقب النخاع فيها أوسع. إلاّ أنّ خرز العنق سلسلها حركة المفاصل لكونها رافعة للرأس مقلّة له، والحاجة إلى كثرة حركات الرأس لأجل أن يطلع حاسة البصر إلى المرئيات وإصغاء الأذن إلى المسموعات ماسة. وبين الرأس وخرز العنق مفصل عجيب التركيبة[12].

    أما حركة انقلاب الرأس يمنة ويسرة فبمفصل سلس فيما بين الخرزة الأولى من خرز العنق وبين عظم الرأس وذلك أنّ لها زائدين شاخصتين فيهما نقرتان تهندم فيهما زائدتان من عظم الرأس موثقتين بأن يستدير حافة النقر عليها ويلزمها لزوماً محكماً، وبارتفاع إحداهما وانخفاض الأخرى يكون ميل الرأس يمنة ويسرة، وهذه الخرزة صغيرة لا سناسن لها ولا أجنحة، وهي كالمدفونة في وقاية الثانية وعظم الرأس مع ما يحيط بها ويلتف عليها من الأعصاب والعضل.

    وأما حركة الرأس إلى قدام وخلف فتتم بمفصل بين الخرزة الثانية وعظم الرأس وذلك بزائدة تنبت من الخرزة الثانية تسمى السن، تمر نافذة في باطن الخرزة الأولى من داخل فيما بين النخاع وبين جرم الخرزة إلى عظم الرأ&#