الأدوية المستخدمة لعلاج آلام المفاصل في كتاب الجامع لابن البيطار

 

د. عبد الناصر كعدان*

 

ملخص البحث

    تعود شهرة ابن البيطار إلى كتابه "الجامع لمفردات الأدوية والأغذية" الذي أورد فيه أقوال المتقدمين والمتأخرين في طبائع الأدوية وقواها ومنافعها، وأضاف إليه تعليقات من عنده اكتسبها بواسع خبرته ورحلاته وطول معاناته لهذه الصناعة، وله كتب أخرى في هذا المجال.

    اعتمد ابن البيطار المنهج العلمي في البحث والتنقيب، وعلى التجربة والمشاهدة كأساس لدراسة النبات والأعشاب والأدوية، فشرح في مقدمة كتابه المنهج الذي اتبعه في أبحاثه فيقول: "… ما صحَّ عندي بالمشاهدة والنظر، وثبت لدي بالمخبر لا بالخبر أخذتُ به، وما كان مخالفاً في القوى والكيفية والمشاهدة الحسية والماهية للصواب نبذته ولم أعمل به". ضمّن ابن البيطار كتابه شروحاً مفصَّلة لعدد كبير من الأدوية (1400 دواء بين نباتي وحيواني ومعدني، منها 300 دواء جديد من ابتكاره الخاص) معتمداً على أكثر من مائة وخمسين كتاباً، منها عشرون كتابا يونانياً. وقد بيّن الخواص والفوائد الطبية لجميع هذه العقاقير وكيفية استعمالاتها كأدوية أو كأغذية.

     رتب ابن البيطار كتاب "الجامع لمفردات الأدوية والأغذية" على حروف المعجم، مراعيا الحرفين الأولين، وجمع في كل حرف أسماء العشب والحيوان والأحجار، كما أورد فيه عددا من الأدوية المركبة، وهو يفسر ماهية كل مادة. ويرجع إلى أقوال من سبقه في بعض الأحيان، وربما علق على بعضها لتصحيح قول أو ترجيح رأي آخر. وقد نبه في كتابه إلى أوهام وأخطاء وقع فيها من سبقه. كما أورد أسماء الأعشاب والحيوان والأحجار بمختلف اللغات وذكر أسماءها الدارجة المشهورة في مختلف المناطق.

    من المعروف اليوم بأن آلام المفاصل، ولاسيما آلام أسفل الظهر، هي من أكثر الشكايات المرضية شيوعا. والكثير من تلك الحالات لازال الطب الحديث عاجزا عن شفاءها، مما دفع الكثير من المرضى يلجؤون اليوم للعلاج بالطب البديل، حيث يشكل العلاج بالأعشاب والنباتات الطبية أحد أهم أركانها حتى في كثير من الدول المتقدمة طبيا.  لقد أدرج ابن البيطار في كتابه الجامع لمفردات الأدوية والأغذية بعضا من تلك الأدوية التي تستخدم لعلاج بعض آلام المفاصل. فقد ذكر الحَرْمل، مشيرا إلى أنه إذا سحق بالعسل والشراب والزعفران فإنه ينفع لعلاج عرق النسا وألم الورك إذا نُطّل بمائه. كما ذكر ابن البيطار السَكَنْبِيج، وقال بأنه صمغ نبات شبيه بالقثاء يفيد في علاج آلام المفاصل وعرق النسا. أما عن الكُرْنُب، فقد ذكر ابن البيطار بأنه إذا خلط بدقيق الحُلْبَة والخل وتُضُمّد به نفع من النقرس وآلام المفاصل والقروح العميقة.

    الهدف من هذا البحث هو التعرض بالذكر لأهم الأدوية النباتية والحيوانية والمعدنية التي ذكرها ابن البيطار في كتابه الجامع، والتي تستخدم لعلاج آلام المفاصل، ومناقشة أهمية استخدام تلك الأدوية من منظور الطب الحديث.


مقدمة:

    ابن البيطار هو ضياء الدين أبو محمد عبد الله بن أحمد المالقي نسبة إلى مدينة مالقة التي ولد فيها سنة 1197، وتوفي في دمشق سنة 1248. تلقى علومه في إشبيلية على أيدي علمائها مثل أبو العباس وعبد الله بن صالح وغيرهما.

    يعتبر ابن البيطار أعظم عالم نباتي ظهر في القرون الوسطى ومن أكثر العلماء إنتاجاً. درس النباتات وخواصها في بلاد واسعة، وكان لأبحاثه الأثر الكبير في السير بهذا العلم خطوات مهمة. بدأ حياته العلمية في الأندلس، ثم انتقل في أول شبابه إلى المغرب، فجاب مراكش والجزائر وتونس باحثاً ودارساً ومحاوراً الباحثين بعلم النبات والعاملين به، ثم تابع جولاته منتقلاً إلى آسيا الصغرى ماراً بأنطاكية ومنها إلى سوريا ثم إلى مصر فالحجاز وغزة والقدس وبيروت ُثم انتقل إلى بلاد الإغريق ووصل إلى أقصى بلاد الروم، وكان في كل محطاته مثال العالم الباحث في علوم الأدوية والنباتات.

     اتصل ابن البيطار في مصر بالملك الكامل، واعتمد عليه الملك الأيوبي في أمور الأدوية والنبات، وجعله رئيساً على سائر العشابين (أي نقيباً للصيادلة)، وبعد وفاته انتقل إلى خدمة ابنه الملك الصالح، وكان حظياً عنده متقدماً في أيامه، فذاع صيته واشتهر شهرة عظيمة.

          لقد أسهم ابن البيطار في تطور الحضارة البشرية من خلال علوم النبات والصيدلة والطب إسهاماً عظيماً باكتشافاته العلمية الهامة، ومؤلفاته التي تركها خير برهان على تفوقه ونبوغه، مما جعله يرقى إلى مصاف كبار علماء العرب والمسلمين الذين أغنوا المكتبة العربية والعالمية ببحوثهم ودراساتهم القيّمة.

أعمال ابن البيطار:

   -كتاب "الجامع لمفردات الأدوية والأغذية" والمعروف "بمفردات ابن البيطار"، وبالنظر إلى أهمية هذا الكتاب، فسأفرد الحديث عنه.

-   كتاب المغني في الأدوية المفردة: يلي كتاب الجامع من حيث الأهمية، ويقسم إلى عشرين فصلاً، ويحتوي على بحث الأدوية التي لا يستطيع الطبيب الاستغناء عنها، ورتبت فيه الأدوية التي تعالج كل عضو من أعضاء الجسد ترتيباً مبسطاً وبطريقة مختصرة ومفيدة للأطباء ولطلاب الطب، ويوجد منه العديد من النسخ المخطوطة.

    -كتاب الإبانة والإعلام بما في المنهاج من الخلل والأوهام.

    _شرح أدوية كتاب ديسقوريدس، وهو عبارة عن قاموس بالعربية والسريانية واليونانية والبربرية وشرح للأدوية النباتية والحيوانية.

     -مقالة في الليمون - كتاب في الطب - الأفعال الغريبة والخواص العجيبة - ميزان الطبيب - رسالة في التداوي بالسموم.

كتاب الجامع لمفردات الأدوية والأغذية:

     يعتبر كتاب الجامع لمفردات الأدوية والأغذية والمعروف بمفردات ابن البيطار من أنفس الكتب النباتية وأشهرها، ألفه ابن البيطار بعد دراسات مضنية، وبعد أن جاب كل تلك البلاد، حيث أودع فيه كل تجاربه ومشاهدته خلال سني أبحاثه الطويلة، معتمداً المنهج العلمي في البحث والتنقيب، وعلى التجربة والمشاهدة كأساس لدراسة النبات والأعشاب والأدوية، فشرح في مقدمة كتابه المنهج الذي اتبعه في أبحاثه فيقول: "ما صحَّ عندي بالمشاهدة والنظر، وثبت لدي بالمخبر لا بالخبر أخذتُ به، وما كان مخالفاً في القوى والكيفية والمشاهدة الحسية والماهية للصواب نبذته ولم أعمل به".

     ضمّن كتابه هذا شروحاً مفصَّلة لعدد كبير من الأدوية (1400 دواء بين نباتي وحيواني ومعدني، منها 300 دواء جديد من ابتكاره الخاص) معتمداً على مؤلفات (أكثر من مائة وخمسين كتاباً بينها عشرون كتابا يونانياً)، وقد بيّن الخواص والفوائد الطبية لجميع هذه العقاقير وكيفية استعمالاتها كأدوية أو كأغذية .ومن مزايا كتابه هذا ترتيبه حسب حروف المعجم لتقريب مأخذه وليسهل على الأطباء والطلبة الاطلاع عليه دون مشقة أو عناء.

     كما ذكر ابن البيطار فيه الأدوية الخاطئة التي تستعمل بالتواتر، وفنَّد وهمها معتمداً على تجاربه ومشاهداته، كما أنه ذكر فيه أسماء الأدوية بسائر اللغات المتباينة بالإضافة إلى منابت الدواء ومنافعه وتجاربه الشهيرة، وكان يقيِّد ما كان يجب تقييده منها بالضبط والشكل والنقط تقييداً يضبط نطقها حتى لا يقع الخطأ أو التحريف عند الذين ينسخون أو يطَّلعون عليه، وذلك لأهمية الدواء وتأثير الخطأ على حياة الناس. كما أنه دوّن فيه كل الشروح والملاحظات المتعلقة بتخزين النباتات وحفظها وتأثير ذلك على المواد الفعَّالة والمكونات الغذائية الموجودة فيها.

     كما أسلفنا فقد ذكر ابن البيطار في جامعه حوالي 150 كاتبا اعتمدها كمراجع ، وهذه واحدة من مزايا هذا الكتاب الذي احتفظ لنا بالعديد من المقتطفات من كتب ضاع جلها. ويبلغ كتب الإغريق نحو العشرين، وأما الباقون فليسوا فقط علماء عرب، بل وكذلك علماء فرس وسريان وهنود وكلدانيين تمت ترجمة مؤلفاتهم. وفيما يلي الأعداد التقريبية لهذه الاستشهادات: فقد ذكر الرازي 400 مرة، وذكر ابن سينا 300 مرة، والغافقي والشريف الإدريسي 200 مرة، وابن باجة وإسحاق بن عمران وابن ماسويه 160 مرة، وأبو حنيفة الدينوري 130 مرة، ومسيح بن حكم وأبو العباس النباتي 100 مرة. أما بالنسبة للإغريق، فقد سبقت الإشارة إلى أن ابن البيطار قد ضمن كتابه الجامع مقالات ديسقوريدس وجالينوس بالتمام و الكمال.

      يصف الطبيب الدمشقي ابن أبي أصيبعة في كتابه "عيون الأنباء في طبقات الأطباء" كتاب الجامع فيقول: "لايوجد أجلّ ولا أجوَد منه". ويصف شخصية ابن البيطار فيقول: "رأيت من حسن عشرته وكمال مروءته وكرم نفسه ما يفوق الوصف، وشاهدت معه في ظاهر دمشق كثيراً من النباتات في مواضعها، ووجدت عنده من الذكاء والفطنة والدراية في النبات وفي الكتب المؤلفة في هذا العلم ما يثير التعجب لذاكرته المتوقدة النادرة، فكان يذكر كل دواء في أي كتاب ذكر وفي أي مقالة من هذا الكتاب، وفي أي عدد هو من جملة الأدوية المذكورة في تلك المقالة، إن ابن البيطار هو أوحد زمانه وعلاّمة عصره في معرفة النبات وتحقيقه واختياره ومواضع نبته ونعت أسمائه على اختلافها وتنوعها".

    ويقول عنه ماكس مايرهوف: "إنه أعظم كاتب عربي خلّد في علم النبات".

    وبعترف المستشرق روسكا بأهمية هذا الكتاب وقيمته وأثره الكبير في تقدم علم النبات فيقول:
"إن كتاب الجامع كان له أثره البالغ في أوروبا، وكان من أهم العوامل في تقدم علم النبات عند الغربيين".

       وتقول المستشرقة الألمانية زيغريد هونكه في كتابها شمس العرب تسطع على الغرب: "إن ابن البيطار من أعظم عباقرة العرب في علم النبات، فقد حوى كتابه الجامع كل علوم عصره، وكان تحفة رائعة تنم عن عقل علمي حي، إذ لم يكتفِ بتمحيص ودرس وتدقيق 150 مرجعا بل انطلق يجوب العالم بحثاً عن النباتات الطبية فيراها بنفسه ويجري تجاربه عليها إلى أن وصل به الأمر ليبتكر 300 دواء جديد من أصل 1400 دواء التي تضمنها كتابه مع ذكر أسمائها وطرق استعمالها وما قد ينوب عنها، كل هذه عبارة عن شواهد تعرّفنا تماماً كيف كان يعمل رأس هذا الرجل العبقري".

     اهتم دارسو النبات بالكتاب اهتماما بليغا حتى القرن السادس عشر الميلادي، فجرت ترجمته إلى اللاتينية وطبع بمدينة قرمونة عام 1758م، كما ترجمه إلى الألمانية المستشرق فون زونتهايمر Sontheimer ، ونشره في شتوتجارت بألمانيا عام 1840. كما ترجمه إلى الفرنسية المستشرق  لوسيان لوكلرك Leclerc.

     طبع الكتاب بالعربية بعناية أحمد أبو العينين، ونشرته مطبعة بولاق بالقاهرة عام  1291هـ / 1874م، وهو في أربعة أجزاء. كما أعادت طبعه بالأوفست مكتبة المثنى ببغذاد عام 1384 هـ / 1964 م في أربعة أجزاء.

هدف الكتاب:

     يبين المؤلف الغرض من الكتاب في مقدمته بقوله: "ووضع هذا الكتاب مشتملا على ما رسم به (كتب فيه) وعرف بسببه وأودع فيه مع ذلك أغراضا يتميز بها عما سواه، ويفضل على غيره بما اشتمل عليه وحواه:

    الغرض الأول: استيعاب القول في الأدوية المفردة، والأغذية المستعملة على الدوام، والاستمرار عند الاحتياج إليها في ليل أو نهار، مضافا إلى ذلك ذكر ما ينتفع به الناس من شعار ودثار، واستوعبت فيه جميع ما في الخمس مقالات من كتاب الأفضل ديسقوريدوس بنصه وكذا فعلت أيضا بجميع ما أورده الفاضل جالينوس في الست مقالات من مفرداته بنصه، ثم ألحقت بقولهما من أقوال المحدثين في الأدوية النباتية والمعدنية والحيوانية ما لم يذكراه، ووصفت فيها عن الثقات المحدثين وعلماء النباتيين ما لم يصفاه وأسندت في جميع ذلك الأقوال إلى قائلها وعرفت طرق النقل فيها بذكر ناقلها واختصصت بما تم لي به الاستبداد وصح لي القول فيه ووضح عندي عليه الاعتماد.

     الغرض الثاني: صحة النقل فيما أذكره عن الأقدمين وأحرره عن المتأخرين فيما صح عندي بالمشاهدة والنظر وثبت لدي بالخبر (التجربة) لا الخبر ادخرته كنزا سريا وعددت نفسي عن الاستعانة بغيري فيه سوى الله غنيا وما كان مخالفا في القوى والكيفية والمشاهدة الحسية في المنفعة والماهية للصواب والتحقيق أو أن ناقله أو قائله عدلا فيه عن سواء الطريق نبذته ظهريا وهجرته مليا وقلت لناقله أو قائله لقد جئت شيئا فريا ولم أحاب في ذلك قديما لسبقه ولا محدثا اعتمد غيري على صدقه.

    الغرض الثالث: ترك التكرار حسب الإمكان إلا فيما تمس الحاجة إليه لزيادة معنى وتبيان.
    الغرض الرابع: تقريب مآخذه بحسب ترتيبه على حروف المعجم مقفى ليسهل على الطالب ما طلب من غير مشقة ولا عناء ولا تعب.

    الغرض الخامس: التنبيه على كل دواء وقع فيه وهم أو غلط لمتقدم أو متأخر لاعتماد أكثرهم على الصحف والنقل واعتمادي على التجربة والمشاهدة حسب ما ذكرت قبل.

     الغرض السادس: في أسماء الأدوية بسائر اللغات المتباينة في السمات مع أني لم أذكر فيه ترجمة دواء إلا وفيه منفعة مذكورة أو تجربة مشهورة" .

محتويات الكتاب:

     يتكون الكتاب من أربعة أجزاء، وصف فيه ابن البيطار ما يزيد على (1400) صنف من الأدوية المختلفة مرتبة حسب الحروف الهجائية، منها (300) صنف لم يتناول بحثها كتاب في الصيدلة من قبل، ويورد فيه النباتات والحيوانات والمعادن التي يتخذ منها العقار، فكان يذكر اسم النبات أو الحيوان باللغات المختلفة ثم يصف أجزاءه وصفا دقيقا، ومواطن نموه، وينقل عن العلماء اليونان مثل جالينوس أو ديمقرطيس أو ديسقوريدس أو المسلمين مثل ابن سينا أو ابن رضوان ما ذكر من منافعه وطريقة تحضير الدواء ثم طريقة الاستعمال، كما يتكلم عن الأدهان والأطيان، ويذكر في كل حالة الفوائد وطريقة الاستعمال.

     إن الهدف من هذا البحث هو التعرض بالذكر لأهم الأدوية النباتية والحيوانية والمعدنية التي ذكرها ابن البيطار في كتابه الجامع، والتي تستخدم لعلاج آلام المف